Skip to content

الحلقة الأولى: أوكاياسو خيري

ما قبل المقدمة
أمير الفرس: تقديم

ها قد حانت لحظة الحقيقة..
والحقيقة الوحيدة هنا هي أخذ القدمين نحو العنق حسب التعبير الفرنسي، أو إطلاق الساقين للريح حسب التعبير العربي..

لقد ظهر وحش (الداهاكا) أو وحش الضحكة، كما ينطقها (خيري) متهكما على لفظة (DAHAKA)..
و (الداهاكا) لمن لا يعلم هو وحش يحمي رمال الزمن.. وحش أسطوري لا يرحم..
لقد انتهك أمير الفرس حرمة هذه الرمال.. فوجب عليه الموت!

يمكننا أن نفهم نوعا ما سبب هذا الركض المحموم الذي يمارسه الأمير فوق شريط صخري ملتصق بحائط شبه متهدم، مطل على حافة هاوية سوداء بدون قرار..
التفاتة واحدة منه إلى الخلف تجعله يجفل و يكاد يفقد توازنه.. لم يكن المشهد المهيب لأذرع أخطبوطية تنبع من صدر (الداهاكا) محببا لو لاحظنا أنها تخترق كل شيء بلا رحمة.. حتى الجدران و الحواجز الصخرية..
ستلحق الأذرع بالأمير لا محالة، فهاهي ذي نهاية الشريط الصخري تبرز معلنة نهاية اللعبة..

لم يكن الوضع يسمح بإنهاء حياة الأمير بهذه الطريقة، فهذا ممل حقا لو نظرنا إلى المسافة الكبيرة التي عليه أن يقطعها من جديد لو توفي.. يمكنكم أن تفهموا مثل هذه الأمور طبعا..

فجأة تباطأ كل شيء، و بدأت المسافة بين الأمير والوحش تتمدد.. إنها قدرة تبطيء الزمن السحرية التي اكتسبها الأمير مؤخرا.. صحيح أنها تستهلك كرة رمال سحرية في كل مرة، لكن هذا لا يهم.. فلا يحتاج الأمير سوى قتل عدو ضعيف حتى يحصل على كرة أخرى و بدون دفع أي رسوم أو ضرائب..

إنه الآن في مواجهة الحافة الشريط غير المكتمل.. لقد دمر منه جزء يتجاوز الست أمتار، ولن يتمكن من القفز المباشر.. لذا اندفع بمحاذاة الجدار الصخري، و حينما وصل الحافة قفز راكضا بشكل أفقي فوق الجدار مصارعا الجاذبية بشكل مبهر.. و بالكاد استطاع الوصول بصعوبة إلى الطرف المقابل من الشريط المتهدم.. واندفع يركض من جديد..

لقد انتهى مفعول قدرة تبطيء الزمن.. (الداهاكا) يقترب من جديد، و خزان الكرات السحرية قد فرغ..

لا وقت للالتفات إلى الوراء.. فحينما يظهر (الداهاكا) يبقى النشاط الوحيد المسموح به هو الركض..

الطريق مسدود هذه المرة بجدار صخري مقابل.. سيصل الأمير إلى الركن بعد لحظات.. وعليه هذه المرة أن يجد الوسيلة للوصول إلى الضفة المقابلة عبر الهوة السوداء.. لم تكن المسألة هذه المرة مسألة أمتار، بل العشرات منها..

لفتت انتباه الأمير سلسلة أنابيب معدنية بارزة من الحائط المقابل من النوع الذي تعلق فيه الرايات.. و كانت ترسم طريقا نحو الضفة المقابلة.. عليه فقط أن يتحول ببساطة إلى قرد..

إن السبيل الوحيد للوصول إلى أول أنبوب هو الاعتماد على الجدار المقابل له.. لذا اندفع الأمير نحو الجدار مباشرة، وقفز ليقوم بأربع خطوات عمودية عليه، قبل أن يثني ركبتيه مستندا عليه، ثم يفردهما مجددا مستغلا ردة فعل الجدار ليقوم بقفزة جبارة، و يصل الأنبوب..

لا وقت لالتقاط الأنفاس.. تأرجح قليلا على الأنبوب و هو متعلق إليه بقبضتين من حديد، ثم قام بدورة كاملة كلاعب جمباز محترف ليحصل على قوة دفع ملائمة، وأفلت قبضتيه مندفعا نحو الأنبوب الموالي.. واستمر بنفس الطريقة حتى وصل إلى الضفة المقابلة..

تظن أن (الداهاكا) توقفه الهوة الضخمة؟ تكون مغفلا لو اعتمدت على ذلك..
هو لا يتمتع بلياقة بدنية كلياقة الأمير.. لن يفز بحركات بهلوانية.. لكنك دوما ستجده خلفك طالما كان يطاردك..
لا وقت للتساؤل عن الأسباب ومناقشة الإمكانيات إذن.. إنه الفرار المتواصل من جديد..

في هذه المرة، يقترب الأمير من بوابة الرمال الزمنية.. عليه أن يعبر مدخلا صغيرا ستارته حاجز مائي رقيق اخترقه الأمير بسرعة.. و اندفعت وراءه الأذرع الأخطبوطية.. لكنها توقف بمجرد لمس الستارة المائية.. أبخرة خانقة تصدر منها مصحوبة بصرخة ألم من (الداهاكا) الذي سحب كل أذرعه حانقا..

هنالك شيء يحد من قدراته إذن.. هناك شيء يؤلمه.. الماء عدوه الأول.. رائع!

عب الأمير الهواء بجرعات كبيرة، و اتجه نحو حوض المياه الجانبي ليجرع ما استطاع..

وفجأة، و الأمير يشرب، ظهرت نافذة عليها عبارات:

Save game ?

Yes

No

كل الوصف السابق مقتبس من لعبة « Prince of Persia (warrior withing) »

حفظ خيري اللعبة، و نزع عن رأسه خوذة اللعب السوداء المتطورة.. فرك عينيه حتى كاد يفقؤهما، ونفض رأسه محاولا إزالة تأثير الانبهار باللعبة..
كم هي رائعة هذه التكنولوجيا الجديدة.. لقد مضى عهد الخوذة ذات المجسات التي تحتاج إلى حركة مواكبة.. نحن الآن في عصر القوة العقلية التي تحرك كل شيء.. بل إن النظام يقنعك تماما بأنك تتحرك و تتألم أيضا.. تختلف درجة الألم بالتأكيد عن الألم الحقيقي، لكنها كافية لجعلك تحاول تفاديها ما أمكن.. و هنا تكمن روعة اللعبة..

– “(خيري)! الإفطار جاهز..”
كان هذا صوت والدته ينفجر كالعادة من الطابق السفلي ككل صباح.. غنها تملك مدفعا لا حنجرة..
اختطف سترته المدرسية السوداء، و لملم أوراقا مبعثرة فوق مكتبه داخل حقيبة بنية.. ثم ركض نحو السلالم.. كان يكره الطرق التقليدية، لذا امتطى الحاجز الخشبي للسلالم و تزحلق فوقه مطلقا صرخة مرحة على غرار رعاة البقر الأمريكيين:
-“ياهوووووووووووه!!”

تفرقع صوت أمه الحانق من جديد:
– “(خيري)!!.. ستتهشم عظامك يوما.. صدقني!”

ابتسم الفتى و قال متهكما:
-“بالتأكيد..”
-“ابتلع لسانك و أفطر بسرعة لتلحق بدروسك قبل أن أتكفل بتهشيم عظامك بنفسي!”

أطلق (خيري) ضحكة مكتومة و غمغم:
– ” أريد فقط أن أفهم كيف تزوج أبي بكل هدوئه هذا الإعصار المدمر الغاضب دائما و الذي يدعى امي!”

سكن البيت فجأة بعد عبارته الأخيرة.. أرهف السمع بحذر، فخيل إيه انه يسمع صوت شيء يحترق..
صوت خطوات راكضة من قلب جهنم، ثم ظهور خرافي لجسد والدته المشتعل في رواق المنزل وهي تطير تقريبا باتجاهه، و في عينيها التمعت نظرة حمراء غاضبة..

اختطف شطيرة جبن ومربى من فوق المائدة، واندفع يفتح البوابة الخشبية الكبيرة، قبل أن يطلق ساقيه للريح عبر الحديقة المنزلية الشاسعة.. كانت البوابة الحديدية الكبيرة مغلقة، ولم يكن ليتمكن من فتحها قبل أن تطبق أمه على رقبته.. لذا اتجه نحو السور العالي، وقفز نحوه بكل قوته.. استطاع أن يقم بثلاث خطوات عمودية أوصلته يديه إلى القمة، فتعلق بها ودفع جسده نحوا الأعلى، ثم قفز إلى الناحية المقابلة..
توقف ليلتقط أنفاسه المنبهرة للحظة، وتطلع إلى علو السور برعب، ثم ما لبث أن صرخ بنشوة.. لطالما راقته هذه الحركة في لعبة أمير الفرس، لكنه لم يظن قط أنها بهذه السهولة..

وانطلق يطوي الطريق خلفه..

* * *

– ” توقف عن البصاق في قفاي يا (تونو)! ”
– ” أنا لم أبصق في قفاك.. لقد عطست فقط.. ”
– ” إذن فأنت أول إنسان يمارس العطس من بلعومه.. ”
– ” وهل هناك أحد لا يفعل يا (شيكي)؟ ”
– ” كل الفيلة لا تفعل يا (تونو).. لكنك كسرت هذه القاعدة على ما يبدو.. ”
– ” بالتأكيد.. هذا لأنني… مهلا!! ماذا تعني هنا؟ هل تلمح إلى أنني بدين كالفيل؟ ”
– ” أنا لا ألمح.. أنا أجزم! ”
– ” سأحطم عظمتاك اللتان تفخر بكونهما جسدا.. ”
– ” و أنا سأفرغ جسدك المنتفخ من الهواء بشكة دبوس.. ”
– ” ماذا يجري هنا؟ ”
التفت الفتيان إلى صاحب العبارة التي ظهر على بوابة الفصل في اللحظة التي أطبق فيها كل منهما على ياقة الآخر.. فقال (شيكي) البدين:
– ” من هذا المغفل؟ ”
أرخى (تونو) ياقة صديقه، و ألقى نظرة جذلة على الرجل قبل أ يهتف:
– ” يبدو أنه المدرس الجديد.. ”
تراجع (شيكي) ليجلس في مقعده قائلا:
– ” وهل يعطه هذا الحق بالتدخل فيما لا يعنيه؟ ”
استرخى (تونو) فوق مقعده بدوره وهو يجيب:
– ” بالتأكيد.. هذا من حقه.. ”
ثم وسع ابتسامته بشكل مبالغ به حتى حاكى وجه (ماك دونالدز) وهو يضيف:
– ” مؤقتا.. ”

كانت الجلبة لا تزال تجتاح جوانب الفصل رغم أن المدرس الجديد كان قد دخل بالفعل و بدأ يرتب أدواته..
طرق في البداية بظهر أصبعه على سطح المكتب..
– ” بلابلابلابلا…”
طرق بقبضته..
لا استجابة سوى:
– “بلابلابلابلا…”
زاد من قوة الطرق..
– ” بلابلابلابلا … ”
ارتفعت درجة احمرار وجهه. فرد راحته وضرب السبورة بكل قوته..
صمت..
وجوه تحدق فيه بملامح حملت قدرا من اللامبالاة يكفي لاستفزاز شعب من المدرسين..
ثم..
– ” بلابلابلابلا… ”
عاد الجميع للبلبلة كأن شيئا لم يكن..
هنا وصلت درجة احتمال المدرس إلى الصقيع فانفجر:
-” اصمتوا أيها الأوغااااااد!!! ”

هنا انقسم المشهد إلى ثلاث لقطات: منظر المدرس يلهث من فرط العصبية وهو يلعن في سره هؤلاء الشياطين الذين استفزوه لينطق عبارة غير تربوية كهذه.. ثم مشهد الشياطين أنفسهم وهم يحدقون بذهول في هذا المدرس الذي جرؤ على اللعب في عداد عمره.. و أخيرا، مشهد (خيري) المتأخر وهو يفتح باب الفصل ليفاجأ بالموقف السابق..

أراد (خيري) أن يعود أدراجه لكن المدرس صرخ فيه:
– ” أنت! تعال هنا! ”
تطلع الفتى حوله فلم يجد (أنت) آخر غيره.. فأشار بأصبع متسائل نحو نفسه..
– ” أجل أنت! ”
تنحنح (خيري) وهو يقول:
– ” آسف.. يبدو أنني أخطأت الفصل.. ”

هتفت فتاة من مؤخرة الفصل:
– “مرحبا (كايري)!! ”

قد ينتبه أقوياء الملاحظة منكم إلى الشبه الشديد بين (كايري) و (خيري).. الحقيقة أنهما اسمان لنفس الشخص..(كايري) اسم ياباني و ليس مجرد تحوير لاسم (خيري) العربي.. ربما لها السبب اتفق أبوه الياباني و أمه اللبنانية على اسم مزدوج كهذا..
ابتسم (خيري)، وفي قول آخر (كايري)، بارتياح وهو يرفع يده ليرد التحية.. ثم أدار بصره في الفصل قبل أن يهتف:
– ” هذا فصلي بالتأكيد ما لم يبدؤوا باستنساخ البشر على نطاق واسع مؤخرا.. ”
ثم أشار إلى المدرس بإبهامه وهو يضيف:
– ” ما مشكلة هذا المغفل إذن؟ ”
واستدار متجها إلى مكانه، إلا أن يدا غليظة أطبقت على قفاه، و أحس بجسده يرتفع بضع سنتيمترات عن الأرض قبل أن تطالعه عينان قدتا في سقر..

* * *

كان مدير المدرسة الإعدادية الخاصة، السيد (فوجي موتارا) يقوم بجولة تفقدية، فخطر بباله أن يلقي نظرة عابرة على المدرس الجديد الذي ورطه مرغما في تدريس الفصل الكارثة..
توجس شرا وهو يقترب من بوابة الفصل الذي تم عزله عن بقية الفصول لأسباب خاصة.. فغمغم:
– ” يبدو أنه كان علي تحذير (أوزوماكي) كي يستعد نفسيا على الأقل.. ”
كان الهدوء يسود المكان رغم انه وصل تقريبا إلى باب الفصل، فمد يدا مترددة كي يقرع الباب.. وقبل أن يتمكن من ذلك اخترقت مجموعة من السكاكين و السواطير خشب الباب من الداخل، وبدت أنصالها تطل من الخارج بتشكيلة هندسية مرعبة..

منع المدير قلبه من القفز من فمه، ومد يده بسرعة ليدير مقبض الباب و يفتحه ملقيا نظرة خاطفة داخل الفصل، وتراجع ليحتمي بالجدار.. و لما لم ير خطرا عاد ليطل من جديد فكان كل شيء على ما يرام.. التلاميذ في أماكنهم يتطلعون إليه بهدوء بريء و كأن شيئا لم يكن.. لكن تفصيلة صغيرة كانت تنقص المكان.. تفصيلة قفزت إلى لسانه على هيئة سؤال:
– ” أين السيد (أوزوماكي)؟ ”
ابتسم (تونو) ببراءة وقال:
– ” تقصد المدرس الجديد؟ ”
أومأ المدير برأسه إيجابا فأشار الفتى إلى الباب.. التفت المدير ليجد المدرس الشاب معلقا من ملابسها بالسكاكين و السواطير التي لم يخترق احدها جسده لحسن الحظ.. فابتلع غصة كبيرة كادت تخنقه، وخلص المدرس الذي لم يصب بأذى جسدي على الأقل، لكن الأذى النفسي كان يصرخ من عينيه الزائغتين..
جره المدير تقريبا إلى خارج الفصل، و أغلق الباب الذي لم يعد كذلك.. ثم..
– ” إنهم سفاحون! ”
كانت صرخة أخيرة من حنجرة المدرس المتحشرجة.. فربت المدير على كتف بتعاطف، وقال:
– ” ماذا حدث بالضبط؟ ”
ارتجف المدرس الشاب الذي لم يعد كذلك بعد أن ابيضت بعض خصلات شعره من شدة الهول.. وبدا انه يجاهد لاعتصار الكلمات:
– ” أردت أن أذبح لهم القط من اليوم الأول فكادوا يذبحونني شخصيا.. ”
ثم ألقى نظرة على الأنصال البارزة، وابتلع حلقومه بدل الغصة على سبيل التغيير، و أضاف
– ” أمسكت بتلابيب أحدهم في محاولة لإرهابه بعد أن نعتني بالمغفل، فإذا به يرفع قدميه ليدفع بهما صدري و يستغل ردة الفعل كي يقفز فوق رأسي بحركة عمودي دون أن يتخلى عن ياقتي.. ثم استقر ورائي ثانيا ذراعي نحو الخلف بعد أن كنت أنا من يمسك به.. وبعدها شعرت بقدمه تستند على ظهري، وفوجئت بنفسي أرتفع في الهواء و يلقى بي على السبورة.. ”
رفع المدير يده في إشارة بالتوقف وهو يهتف:
– “أمتأكد أنت أنك تتحدث عن تلميذ في هذا الفصل؟ أكبر فتى هنا لا يتجاوز الرابعة عشر من عمره.. أنت الآن تصف الرجل العنكبوت بدون شك.. ”
– ” أؤكد لك يا سيدي أن هذا ما حصل ”
ثم استند إلى الجدار في انهيار وهو يضيف:
– ” و ما إن نهضت من السقطة حتى وجدت هذه التشكيلة من السكاكين تندفع نحوي لتصنع بي ما رأيت..”

ربت المدير على كتفه مجددا وهو يقول:
– ” لا عليك.. ستعتاد على المر سريعا..”
تكونت فوالق جيولوجية فوق وجه المدرس من فرط الرعب.. وصرخ غير مصدق:
– ” مستحيل! لن أضع قدما، أصبعا، بل ذرة واحدة من ذراتي في هذا الفصل من جديد.. ”
نفض المدير عنه قناع اللطف فجأة وهو يجيب محتدا:
– ” إذن فلن تقبض راتبا، علاوة، بل ينا واحدا من هذه المدرسة.. و لا تعول على العمل بمدرسة أخرى لأنني لن أسمح بذلك.. فعلاقاتي أوسع مما تتصور..”
وخفف من حدة صوته مع انهيار الشاب، وعاد ينتقي قناعا جديدة من مجموعته ليقول:
– ” اسمع يا بني.. هذه مدرسة خاصة.. و آباء تلاميذ هذا الفصل بالذات يملكون أغلبية رأس مالها.. لذا لا نملك فعل شيء.. خصوصا و أنهم يبدون في غاية اللطف حينما يكونون مراقبين.. و الحقيقة انك الشخص الوحيد الذي تعاملوا معه بهذه الطريقة..”

ثم تنحنح وهو يضيف :
– ” من أول حصة..”

كاد المدرس يبكي وهو يقول:
– ” ومتى يذبحونهم؟ ”

أطلق المدير ضحكة مفتعلة وهو يقول:
– ” لا لا لا.. لا يوجد ذبح هنا..”
– ” يا سلام!! و ماذا عن كل هذه السكاكين والسواطير..؟”
– ” هذا مجرد مزاح بريء يا بني.. حاول أن تتكيف معهم فقط ..

* * *

المخرج الخلفي لمصنع إليكترونيات عريق..

هدوء يسود الجنبات..
يمتزج بظلام هشمه ضوء مصباح خافت..
وفي النهاية، أتت شاحنة نقل متوسطة الحجم لتهشم السكون بدوره..

أطلت الوجوه الصارمة من وراء مصراعي صندوق الشحن، لتستقبل ملامح التوتر التي طبعت ثلاثة رجال ينتظرونهم.

– ” هل البضاعة جاهزة؟ ”
نطقها أحد الواصلين، فهتف رجل من المنتظرين بنبرات متمترة وهو لايكف عن مسح نظاراته:
-” بالتأكيد.. كل الأجهزة في هذه الصناديق.. فقط، أسرعوا بالشحن! ”
بدأت عملية الشحن، وبدا ذو النظارات وكأنه قد وضع أعصابه فوق مقلاة زيت ساخنة، فلم تكف مقلتاه عن التقلب في محجريهما.
ومع وصول آخر صندوق إلى الشاحنة، انعقد حاجبا السائق فصرخ:
-” هناك ثلاثة أرقام تسلسلية غير مطابقة.. ثم إنه من الواضح أن الخوذات التي تحملها مجرد خوذات لعب عادية. ”
كان ذلك الزر الذي فجر أعصاب ذي النظارات:
– ” مستحيييييييييل!!! ”
هتف السائق حانقا:
-” يمكنك أن تراجعها بنفسك.. فأمر ال… ”
قاطعه بعصبية:
– ” ولكن هذا يعني أن … أن… ”
أكمل السائق:
-” هذا لا يعني سوى احتمالين: أنكم تتلاعبون بنا، أو أن خطأ ما قد حدث. حسنا.. لا يمكننا المكوث هنا أكثر من هذا حسب أوامر الجنرال، لذا عليكم حل المشكلة بأنفسكم.. بضاعة الجنرال يجب أن تصل إليه كاملة مكمولة حسب الاتفاق! ”

تطلع ذو النظارات بنظرة رعب إلى الشاحنة التي ابتعدت.. وحينما أفاق من شبه الغيبوبة التي اعترته، اختطف هاتفه الجوال بأصابع مرتجفة، وضغط زرا معينا، ثم انتظر أن يصله صوت المتلقي قبل أن يقول:
-” لؤي! ما أخبار دفعة ألعاب الخوذات الجديدة؟ ”
استحال وجهه ليمونة صفراء ممتقعة، فأقفل الخط وهو لاينبس. سأله أحد رجاله بحذر:
-” ما الأمر سيدي؟ ”
انهار ذو النظارات وهو يغمغم:
-” لقد تم تسويق المنتوج بأكمله.. كل خوذات اللعب بيعت في الساعة الأولى من عرضها.. إنها مصيبة! كارثة!! ”

وحلقت أفكاره بعيدا وهو يتصور كم المشاكل التي ستحدث بسبب هذه الخوذات.. بل و الأكثر من ذلك، كيف سيتصرف من اشتروها؟
وبقيت أفكاره تسبح محلقة مع التساؤل بدون هدف..

نهاية الحلقة الأولى

بقلم: عصام إزيمي

عن: رواق الأدب

Published inمحاولات

6 تعليقات

  1. سماح / منى ليزا سماح / منى ليزا

    قصة رائعة حقا …. شكرا أخ عصام

  2. أهلا سماح..
    لي فترة لم أسمع عنك جديدا..
    كيف الحال؟
    اتمنى أن لا تكوني قد تجمدتي هناك..
    شكرا على الاطراء..

    تحياتي

  3. سماح / منى ليزا سماح / منى ليزا

    من أنا ؟
    أنا لا أتجمد .. و من ثم اين سأتجمد أصلا

  4. عصام عصام

    اين الحاجات التى قلتو عليها

    وشكرآ

  5. بسم الله الرحمان الرحيم..

    في البداية.. عندما كان خيري يتسلى بتلك اللعبة الإلكترونية.. ظننت أن المسلسل بأكمله على تلك الشاكلة.. وحوش لزجة ذات مجسات طويلة.. أبطال خارقين، يدورون حول الأرض في ثواني و يخرج البرق من أنوفهم.. سماء خضراء و كواكب صغيرة تبرز منها الأشجار و البنايات !.. و هذا الـ خيري ظننته مقاتلا يشبه مقاتلي مورتال كومبات..

    لكن ما إن أزال خيري الخوذة من على رأسه حتى زالت تلك الأفكار السخيفة بدورها من رأسي.. و بدأت أفهم… طبعا ذكائي لا يرقى إلى المستوى الذي تريد به قرائك، آسف..

    ثم بدأ الضحك.. تخيلت الأم الضخمة و هي تركض خلف الابن المشاغب الذي تلفظ بعبارة تخطت حدود الدعابة في نظرها.. خيري يوجه الضربات باحترافية إلى المدرس المسكين.. ثم السكاكين و الفؤوس تثقب الباب، و عندما يفتح المدير الباب بحذر تطالعه عشرات الوجوه البريئة، الجميلة !… قهقهتُ.. و استرسلتُ في الضحك مع استرسالي في القراءة..

    تذكرت أنيمي ساخر كويتي أو إماراتي.. و هو الأنيمي الوحيد الذي أضحكني بمعنى الكلمة… ثلة من تلاميذ الثانوي في مشاهد مضحكة.. طبعا هناك بدين، غبي.. وسيم، في الغالب هو قائد المجموعة.. نحيل يضع نظارات سميكة، أذكى مما ينبغي.. أنت تفهم هذا النوع من المجوعات طبعا !..

    أتمنى أن تتاح لك الفرصة و الإمكانات لترجمة هذا العمل الساخر إلى أنيمي و بجودة عالية.. حتى نشاهد شيئا جديدا، مبتكرا على شاشتنا المملة.. عدا تلك الأنيميات الغبية التي أكل عليها الدهر و تمخّـط..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *