Skip to content

الشعب في جزمة الشرطة

في بلادي السعيدة، وقس على ذلك في باقي بلداننا الشقيقة الأسعد، ما إن يرتدي أحدهم زيا رسميا، ويحصل على رتبة عسكرية، حتى يرقي نفسه أوتوماتيكيا من مرتبة البشر الفاني إلى مرتبة آلهة السلطة (بضم السين لا فتحها).. فتبدأ بسماع أحاديث من طراز:
– ” استوقفني دركي وغد في الطريق.. لقد ظن أنني مجرد مدني!”
-“ألم يلاحظ ترقيم سيارتك؟ ”
– “كنت أسوق سيارة صديق”..
-” قد مسحت به البلاط طبعا بعد أن عرف رتبتك..”
– “وهل في ذلك من شك؟ ”
إن قانون هذه البلاد يطبق على المدنيين الأوغاد فقط، وذلك وفقا لمرشحات الطبقات الاجتماعية والعلاقات السياسية والسلطوية..

* * *

في جلسة عائلية بمدينة طنجة، حضرت حوارا يستعرض فيه شرطي مرور إنجازاته العظيمة.. تحدث عن سائق سيارة الأجرة الوغد الذي، تصوروا، تجرأ وطلب منه أجرة التوصيلة.. ثم أخرج وريقة صغيرة بها لائحة طويلة لأرقام سيارات الأجرة التي على سائقيها الزناديق دفع ثمن غلطات شنيعة من هذه العينة.. وهي لائحة تتبادلها شبكة شرطيي المرور بالمنطقة كلها.
حاولت للحظات أن أستوعب طريقة تفكير هذا المخلوق ففشلت . ولما كنا ضيوفا في منزله، فقد عبرت بملامحي عن الامتعاض، وقلت متهكما:
-“سائقوا الأجرة الأوغاد هؤلاء يستحقون الإعدام حقا!!”
أمن الرجل على كلامي بإيماءة من رأسه، فأثبت لي أنه بالإضافة إلى شخصيته السايكوباثية يتمتع بجرعة غباء منقطعة النظير..

* * *

لو كنت متحمسا، أنصحك بالتجربة التالية:
ارتدي ملابس رثة نوعا ما، تبدو عليها البساطة والقدم، وادخل قسم شرطة لأي سبب من الأسباب.. ثم تعامل مع أحقر رتبة هناك بقدر من اللامبالاة..
تمتع بالتجربة واحكي لي..

* * *

قصة واقعية غاية في الطرافة حكاها لي والدَي:
خلال إحدى الجولات، مد أبي يده في حقيبة أمي كي يخرج حاملة نقوده، فقبضت يد خشنة معروقة على معصمه..
كلا!! لم يكن شرطيا كما لكم ان تتوقعوا.. كان مجرد متشرد أصر على أن:
-“عالى هنا أيها اللص!”
أجابه أبي بلباقة بأنه ليس لصا، وأن هذه السيدة زوجه. وأكدت أمي الأمر، لكن…
– “قلت لك أنك لص!”
طالبه أبي بلعن الشيطان وترك معصمه، لكن الرجل كان مصرا كخنزير بري، ملتصقا بمعصمه كعلكة..
اقترب شرطي مرور كان واقفا بالجوار.. تساءل عن المشكلة فكان الجواب الأزلي الذي لا يتزحزح:
– “هذا الرجل لص أراد سرقة محفظة نقود هذه السيدة..”
طفح الكيل بأبي فقال:
– “أعوذ بالله من الحمق! هناك رابط اسمه الزواج يسمح لي بأن أضع يدي في حقيبتها متى أشاء..”
تأكد الشرطي من المسألة، فلم يجد بدا، أمام إصرار المتشرد من إعطاء إشارة إلى أقرب سيارة شرطة تمر بالمكان..
وحال وصولها، حاول مفتش تسوية الوضع، لكن المتشرد دفع بعنف يد أول من حاول لمسه، وأطلق سبة ما..
حينها حمل قسرا إلى السيارة، وطولب أبي وامي باللحاق بها إلى قسم الشرطة لتسوية المحضر..
حين وصلوا، لاحظ أبي مع نزول المتشرد، أن ملامح الأخير كانت قد تحولت إلى عجينة وصلصة دماء.. فلما قال أنه يتنازل عن المحضر في محاولة إنقاذ البقية الباقية من المهلوق البائس من أيدي هؤلاء الوحوش، أخبروه بأن بإمكانه التنازل والانصراف لو أراد، فقد وجدوا بحوزة الرجل مخدرات يتاجر بها، وقد حاول الهروب من السيارة في الطريق فاظطروا آسفين إلى التعامل معه.
تطلع والدي إلى هندام المتشرد.. لو كان هذا الرجل يتاجر بالمخدرات فإن شارون يعتنق الديانة الإسلامية..

خلاصة القصة وعصارة أفكارها:
لا تطلق بحياتك سبة في وجه رجل شرطة لأن هذا غير صحي في الغالب، وقد ينتهي بك في السجن لسنوات بتهمة التآمر وقتل (كينيدي)، هذا إن لم تمض ما تبقى من حياتك في قالب جبس..

* * *

تجربة أخرى:
ارتد الآن بذلة سوداء فاخرة، وساعة ذخبية أفخر، ونظارات سوداء.. باختصار: تحول إلى نسخة من 0ويل سميث) في فيلم “رجال بالأسود”.. ثم كرر تجربة دخول قسم الشرطة.. زد من جرعة التكبر، لكن باختيار أكبر رتبة في المكان هذه المرة.. وتمتع بتجربة الأمراء..
لا تنسى أن تخبرني بالنتيجة..

* * *

قرروا في يوم من الأيام أن علينا أن نتطور: يجب أن يصبح لدينا شرطيات مرور..
ألبسوهن زيا غريبا بـ(تنورات) أغرب تذكرني بتلك التي تلبسها فرق النفخ الأسكوتلندية.. بالإضافة إلى طرابيش من النوع الذي يفضله (شارلي شابلن).. ثم وضعوهن في منتصف الطريق بصفارة..
لا داعي لوصف حالة الطرق بعدها.. جيوش من شباب لا هم له ولا شغل ولا شاغل سوى الجلوس بقرب الشرطيات الشابات للتودد إليهن تارة، وللسخرية تارة بإطلاق زغاريد في مطالبة صريحة لتخلي الشرطية عن الصفارة والاكتفاء بالزغاريد..
اضطرت السلطات بعدها إلى وضع رجل أمن مخزني بجانبها.. شيء أشبه بكلب الحراسة لو سمحتم لي بهذا التشبيه..

* * *

قبل محاولات الانقلاب الشهيرة، كان هناك تهميش واضح لرجال الأمن مقارنة برجال الجيش، سواء من ناحية المعاملة أو من ناحية الميزانيات..
كانت أيام يعاقب فيها رجل الجيش إن سمح لشرطي حقير بأن يعطيه مخالفة أو يسحب رخصة قيادته.. وهذه وقائع سمعتها من رجل جيش قديم بالمناسبة..
لذا تكون لدى رجال الشرطة حقد دفين، وحاجة شديدة بسبب ضعف تعويضاتهم المادية والعلاوات وما شابه.. والضحية هي الشعب طبعا..
الآن انقلب الوضع، فكل الامتيازات سحبت من رجال الجيش لتعطى لرجال الأمن، خصوا بعد إلغاء منصب وزير الدفاع نهائيا.. لكن الطبع يغلب التطيبع.. لذا استمر رجحال الشرطة والدرك في عادات الابتزاز الشعبي، واستمرت ضرائب المرور على شكل أوسع..واستمر توزيع الغنائم..
كل يحصل على نصيبه: السائق يدفع الضريبة.. الشرطي أو الدركي يدفع نسبة لرئيسه المباشر، الذي يدفع بدوره نسبة عن مداخيله لرئيس القسم.. وهكذا دوالك.. فتأصلت هذه الشبكات وتثبتت أقدامها..
ولا داعي للحديث هنا عن السلع المهربة التي تصادر كل يوم بعلم وبدون علم.. ولا داعي للحديث عن كبار رجال الشرطة الذين اكتشف فسادهم واشتراكهم في مساندة شبكات التهريب في المدن الشمالية..
صدق المثال الشعبي القائل: “حاميها حراميها..”.

* * *
هل سبق لكم وسمعتم باختبار البيبسي؟
أحضر متهما عاريا!
أحضر قارورة مياه غازية!
أنت الآن تملك كل مستلزمات الاختبار..
لا داعي لتخبرني بنتيجة التجربة..

* * *

قصة طريفة أخرى من ذكريات الماضي:
تسلل متشرد يوما إلى السطح شقتنا في العمارة الصغيرة التي كنا نقطن بها سابقا..
وجد هناك أرانب كنا نربيها، فخنق واحدة..
وجد فرنا غازيا، فرمى الأرنب المخنوق به ليؤمن وجبة العشاء..
وجد سريرا قديمة ومخدة أقدم، فمدد جسده بعد اللأكل ونام بعمق كأنه في جنة أبيه..
الحقيقة أننا وفرنا كل سبل الإستجمام والراحة لمن يريد أن يقتحم سطحنا عنوة..
وفي الصباح الباكر، صعد أبي إلى السطح كي يطعم الأرانب، ففوجئ بالمتشرد الذي أصيب بالذعر بدوره لسبب لم أفهمه إلى الآن.. ربما طن أن الحياة رائعة إلى حد أن يجد كل ما وجد متاحا له كي يتمتع به أبد الدهر..
المهم أنه التقط عمود مهراز (*)، ورمى به ليصيب أبي برأسه..
ماذا يفعل عمود المهراز في السطح؟ إذا كنا كل ما سبق متواجدا في السطح، فلماذا يبدو تواجد مهراز شيئا غريبا!
لا داعي لتساؤلات كهذه..
ترنح أبي، وفر راكضا إلى الأسفل والعالم يدور من حوله.. لم ينس أن يغلق البوابة الرئيسية للسطح كي يحبس المتشرد..
أبلغ رجال الشرطة، وحضرت الاسعاف لتقله ليعالج.. أما رجال الشرطة البواسل، فقد وقفوا بجانب بوابة السطح يناقشون الامكانيات والسبل والخطط الحربية للدخول والقبض على متشرد مسلح بعمود مهراز من طراز (باطريوت) بعيد المدى.. ولولا غضب أمي، وحماسها للدخول بنفسها لو لم يفعل أحد شيئا لما جرؤ أحد على الحركة.. مما يثبت أن بعض رجال الشرطة يصلح لبيع الباذنجان بعيدا عن قرف المهنة..

خلاصة القصة وعصارة الأفكار:
حينما تواجه مشكلة فلا تستنجد برجال الشرطة لأنهم يستهلكون أوكسيجين المكان فحسب..

* * *

أفاق الجميع بعد أحداث 16 ماي ليكتشفوا اننا مهدد بالفعل، وأن الأمر لم يعد مجرد مزاح.. فلم نعد بحاجة فقط للحفاظ على المظاهر، وارتداء الأزياء الرسمية فوق الكروش الضخمة، ووضع اللعب السوداء للتخويف بدل الأسلحة..
لذا كانت الضرورة ملحة لتكوين فرق شرطة خاصة جديدة، مدربة وشرسة.. فرق أسماها الشعب بـ(كروايتا)، نظرا لأن زيها الرسمي يحوي أشكالا مشابهة للعلم الكرواتي..
الكلمة الآن تعتبر سبة يعقب عليها القانون لو ضبطك أحد رجال هذه الفرق تلوكها في لسانك.. رغم أن رجال الشرطة في فرنسا أو أمريكا مثلا ينعتون بما هو أشنع من ذلك..
إن للقانون في بلادنا عجائب حقا..

يبدو أن اسمي سيكتب عما قريب في وريقة صغيرة بها لائحة أسماء المطالب بعصرهم.. لكنني لا أملك سوى أن أصرخ بالأغنية الجماهيرية الشهيرة في حالات الإضرابات والشغب:
-“الليلة زاهية.. جيبوا كرواتيا!!”..

Published inنافذة ساخرة

8 تعليقات

  1. عصام، إذا شئت أن أبلغ عنك فلا مانع لدي 😀 أعتقد أنني ما زالت أحفظ عنوان المعهد حيث تدرس!

    افتقدت منذ مدة جديدك من هذه العينة.

    فعلا، “حاميها حراميها”، وإن كان العذر معهم. رجال الأمن إحدى الفئات الأكثر تهميشًا، وذوي الأجور الأدنى -لا أتحدث هنا طبعا عن أصحاب الرتب العليا- لذلك لا يجدون من مفر أمامهم إلا ابتزاز من هم أدنى منهم: المواطن البائس.

    مؤكد أن مثل هذه التصرفات غير مقبولة مهما تكن الأسباب، لكنك حتما ستشعر بالشفقة على تلك الشرطية المسكينة التي صارت أضحوكة للعيان، أو ذاك الشرطي الذي يقف لساعات تحت وابل المطر منذ الصباح مصطفا على رصيف الشارع منتظرًا زيارة جلالة الملك في آخر النهار! (أضفت هذه الجملة الأخيرة لأنني مشفق عليك من زجاجة البيبسي تلك، وأريد مرافقتك لمواساتك، أو ربما للتفرج عليك :p)

  2. عن أي عذز تتحدث يا محمد يا بني؟
    مقارنة برجال الجيش حاليا، يعتبر رجال الشرطة في نعيم!!
    على العموم لا يوجد مبرر واحد لموجة النهب في الشعب المستمرة..
    لا شيء يبرر ذلك على الاطلاق..

    أما بخصوص زجاجة البيبسي، فيمكنني بقمة التسامح أن اترك لك مكاني متى شئت..

    الأخت فلة..
    أشكر لك لفتتك غير المتوقعة سراحة تجاه المدونات الناطقة باللغة العربية، وإن كان اختيارك لهذا الموضوع بالضبط سيؤدي بي إلى فضيحة عاليمة، لدرجة انني أسمع خطوات كرواتية في الجوار 😀

    حسنا، بعيدا عن المزاح السمج، أسعدني فعلا تخصيص مقال للمدونات المغربية الناطقة بالعربية.. فتحياتي لك..

  3. يبدو انكم فى اقصى الغرب منا ولكن تثبتون يوميا اننا فى الهم (كلنا) شرق

  4. amr fawzi amr fawzi

    بس لاحظ حاجه زمان كان ( الشرطه فى خدمه الشعب ) علشان يحلوها يقولون (الشرطه و الشعب فى خدمه الوطن )

  5. بسم الله الرحمان الرحيم..

    فعلا الشعب في جزمة الشرطة.. أو قل الشعب تحت جزمة الشرطة !..

    الذي لا أفهمه و ربما لن أفهمه مهما حييت هو.. لماذا نملك هذه الثقافة الرجعية، المتخلفة، الحجرية، الغبية، السطحية… بخصوص تقديس ذووا القبعات الزرق و الذوبان أمام أصحاب الكروش المتدلية و عبادة كل وزير و… رحم الله من مدحنا و قال ( يخافو ما يحشمو ) و .. ( حنا كامونيين إيلا ما تحكينا ما نعطيو الريحة ) و.. ( جمهور الكيلو.. ) و… أنا أحب المغرب بالمناسبة !..

    أنظر إلى الشعوب الغربية كيف يتعامل أفرادها بينهم.. يعتبرون كل واحد منهم لبنة في صرح الشعب.. و الشرطي ليس سوى ذلك الرجل المكتنز الذي يعتمر قبعة و يقف هناك في قارعة الطريق.. له دور تماما كما لطارد الفئران دور في ابتلاع فئران المنازل.. و ربما هذا الأخير أشرف من الأول !..

    الذي أردت قوله من كل هذا الهراء هو أننا مصدر حقوق الإنسان و المجتمع الذي يجب أن يتوفر على أرفع نفسية يعرفها الإنسان و أسمى روح معنوية ممكنة.. لأن ديننا هو الدين الحر الوحيد في هذا الوجود.. فنحن لا نعبد ثلاثة آلهة.. و لا نعبد البقر أو الصراصير أو الشمس أو القمامة.. نحن نعبد الله الواحد القهار فحسب.. فمتى أصبحنا نعبد رجال الأمن ؟..

  6. محمد محمد

    أظف الى معلوماتك :اذا وجدك “صحاب الحال” و أنت مخمر حتى الأذن (شرط ألا تتير المشاكل) فأنت مثلك مثل مواطن عادي . ولكن “هيهات” ان وجدوك و أنت تتكلم في أمور دينية و ما قد يزيد الطينة بلة أن تكون ذا لحية ملتوية أو جلباب “فوقية” فاعلم أنك مواطن تحت الأنظار و لست مواطنا .طبيعيا . و هذا ما تريده العولمة أيضا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *