تجاوز المحتوى

ظلال على جدران الزمن..

بقلم: جمال بوالخورص

1
***
حياتي مسرحية معقدة وقد عشت معظم فصولها خلف الكواليس, خائفا مرعوبا من مواجهة الآخرين. فلا أرى وجوه الممثلين ولا أسمع سوى ضحكات الجماهير التي يمتصها الظلام..
كنت أشارك الغرفة مع السيد إبراهيم, وهو رجل طيب, هرم في السن ولم تمنحه الأيام الحكمة التي ينشدها, وأفكاره عن الحياة لا تزيد عن معرفة طفل عن القمر, فلا يراه إلا قرصا مضيئا يحاول أن يحل مكان الشمس الغائبة..
وكان مدخنا شرها لا تفارق الولاعة يده المرتجفة دوما, ولا يتجاوز عمله تصنيف الملفات وترقيمها, وكنت من يقوم بالعمل كله, وأحيانا أشفق عليه من الباص فأقله معي في طريق العودة, أدفع أجرة السيارة وأكمل الطريق مشيا..
وذات صباح مل من الحياة كما ملت منه ولم يحضر..
ثم قدمت ابنته بعد أسابيع, واكتشفَت أنني من شارك والدها أنفاسه اللاهثة الكسيرة لأشهر, زميل والدها الذي لم يحضر جنازته والذي لم يكلف نفسه ولو مجرد اتصال هاتفي لأبنائه.
لكني استغربت تلك العلاقة بيننا فلم يكلمني يوما عن أبنائه أو عن زوجته, بل كان سجين الصمت مثلي تماما, يقف أمام النافذة, يدخن ويطل على الشارع.
ولما جلسَت في ذات المقعد الذي شغله والدها قالت لي:
-اسمي ناهد وسأشغل مكان والدي.. أرجو ألا تمن علي بالمساعدة!..
وتحسست مكتب والدها, أزالت عنه الغبار ورتبت الملفات. مسحت عيناها المبللتين في أرجاء الغرفة, وظلت بعدها صامتة تجتر ألمها..
ربما تكون فكرة تشارك المشاعر مجرد أكذوبة أخرى من الأكاذيب الكثيرة التي تملأ هذا العالم, فمالذي أستفيده لو كلمتها؟ أعرف أنني لن أواسيها, لن أمنحها حضني لتبكي فوقه, ولن أمنحها تلك الكلمات المليئة بالأمل, ولن أخبرها كما يفعلون أن كل شيء سيكون على ما يرام..
وأذكر يوم كانت أمي تحتضر, جلست إلى جوارها أنصت لأنفاسها الخائرة وأنينها الصامت, ولما حانت لحظة رحيلها غادرت المنزل رغم هطول المطر. خفت وهربت, ولم أمتلك الشجاعة الكافية لأبقى إلى جوارها في لحظاتها الأخيرة..
ولما علمت بموتها عدت, اعتراني الحزن ولزمت الصمت. وودت لو أخرج إلى المطر من جديد, أمشي تحت الشلال البارد وأذوب مع الريح الصارخة في الفناء. وبكيت بعدها, لكن دموعي لم تستطع أن تمحو الندم العالق في ذاكرة لا يريد النسيان أن يرحمها..
ولم تكن علاقتي بأختي لطيفة مثالا للأخوة, لكن الموت كان أكبر مني ومنها فوجدت في حضنها ملاذا لدموعي ونحيبي, وبقيت أياما في منزل زوجها, أشاطرها الطعام والصمت والكلمات الشحيحة التي يسعفني بها لساني..
و فيما بعد عثرت على كل الكلمات التي لم أتمكن من قولها, لكنها بدت لي كلها عقيمة غير قادرة على مواساتي, فكيف تواسيها؟

——————————————–

وكان وجه ناهد شاحبا على الدوام وغزوت الأمر في البداية إلى مواد التبرج التي تضعها, وعيناها الضيقتان تفتقران إلى البريق الذي يشع من كل العيون التي عرفتها. لكن هذا لم يتمكن من طمس جمالها الهادئ..
-كان أبي رحمه الله يحدثني عنك كثيرا..
-حقا؟
وأومأت برأسها. قالت:
-أخبرني أنك شخص غامض يميل إلى العزلة والصمت, ولكني لا أشاطره الرأي..
وسألتها بسرعة:
-وما رأيك أنت؟
أجابتني:
-رأيي أنك تحتاج إلى أصدقاء..

————————————

صغيرا, كنت أطل عبر النافذة لأراقب الأطفال وهم يلعبون في الخارج, وكان بمقدوري الخروج لمشاطرتهم اللعب والضحك والبكاء, لكني أردت الاحتفاظ دوما بذلك الحاجز الزجاجي البارد بيننا. عرفت أسماءهم ومزاج كل واحد منهم وصرت أستطيع توقع تصرفاتهم, لكني تأخرت كثيرا قبل أن أخرج من شرنقتي وأتخطى حدودا وضعتها لنفسي بنفسي, وأغادر المنزل لألعب كما لو كنت واحدا منهم..
واكتشفت أخيرا أنني لم أكن الوحيد الذي استمتع بلعبة المراقبة تلك, هم أيضا عرفوا بوجودي فكانوا يلتزمون باللعب قبالة نافذتي..
وأجمل ما حظيت به في طفولتي هو ذاك الركن الأخضر المشمس دوما في خيالي, مكان كنت الجأ إليه لوحدي كلما أمطرت في الخارج, هناك حيث أشعر بالدفء والأمان, وحيث أستطيع أن أحلم بما أريد..
لكني لم أحظ قط بصديق حقيقي, ولم أكن أكلم زملائي في العمل إلا ناذرا, فلم تتجاوز علاقاتنا إلقاء التحيات. وكانوا يتهمونني بالخجل وحب الانزواء, فكلماتي التافهة أصغر من أن أتبجح بها في حواراتي التي لا تريدها أن تنتهي على ضفاف آذان ألفت الكذب والنفاق, وكنت أفضل الصمت عندها, أسكت وأراقب أولئك المدعين كثيري الكلام.
واعتقد أن سر صمتي هو قدرتي الغريبة على تجاهل الأشياء.

تابع>>>>

تعليقات على الفيسبوك

Published inمحاولات

5 تعليقات

  1. عصام، هل كل أصدقائك يرسلون أعمالا ناقصة؟ :d (أرجو ألا يكون الأمر مرتبطًا بالجنون نبيل-فاروقي، وإلا فستمضي سنة كاملة قبل أن نقرأ تتمة القصة/الرواية).

    لا ينقصك الآن إلا الحملات الدعائية: إثنان في واحد! (يبدو أن الحاجة بدات تدعو إلى وجود ذاك الوجه النوفلي)

  2. عرض هذه القصة سيكون بجزء كل بضعة أيام وذلك بانتظام شديد.. لا تقلق..
    المهم هو أن تعلم عزيزي جمال عن رأيك بالبداية وبأسلوبه..

    ثم إن الوجه النوفلي قد التصق بنا يابني.. أفكر جديا بتحميله وإضافته كصورة كلما دعت الحاجة.. 😀

  3. نائل نائل

    كيفك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *