تجاوز المحتوى

ترررن ترررن.. تربن تربن.. (على رأي سعيد صالح)

تعرفون قصة نيوتن مع التفاحة بالتأكيد.. لابد و أن الجميع سمع عن هذه القصة الظريفة التي يكون فيها نيوتن مستلقيا تحت الشجرة فتسقط على رأسه تفاحة منها، ليصبح هذا الحدث الجلل من أهم الأسباب اكتشاف الجاذبية..
لا يمكنني أن أتصور وضع العالم قبل أن تكتشف هذه الأخيرة.. ربما كان الجميع يربطون أنفسهم بحبال إلى الأرض قبل ذلك كي لا يحلقوا في الفضاء.. أو ربما كانوا ينتعلون أحذية حديدية تزن مئات الكيلوغرامات.. لا أحد يعلم بالتحديد..
و لكن دعونا من كل هذا، فسأحدثكم عن قصة أخرى..
تسمعون بالتأكيد عن قصة مخترع الهاتف.. يقولون أن الرجل كان مستلقيا تحت شجرة بدوره في أحد الأيام الخريفية الرائعة، فإذا بهاتف يسقط فوق رأسه من الشجرة.. حادث طريف آخر كان الرجل بعده بحاجة إلى خياطة عاجلة لجرح رأسه قبل أن يتمكن من معاودة التفكير من جديد.. و أدت هذه الحادثة إلى إلهام كبير له كان السبب الأكبر في اختراع هذا الجهاز الفذ المسمى هاتفا..
و لكن الهاتف لم يلبث أن تطور، و تقدمت تقنيته.. وبعد فترة أصبحت حاجة ملحة إلى اكتشاف جديد يسهل الاتصال في أي وقت و أي مكان.. و أظن أنكم قد فهمتم النظام الآن. لذا لن أقول إن أحدهم كان نائما تحت شجرة فسقط عليه هاتف نقال مما أدى إلى اختراع هذا الأخير، فهذه الأشياء قد أصبحت بديهية الآن.
أصبح الهاتف النقال الآن شيئا عاديا في مجتمعنا.. و بعدما كان قبل سنوات معدودة عبارة عن وحش خرافي من الوحوش الالكترونية لأفلام الخيال العلمي، أصبح الآن امتلاكه متاحا لجميع الفئات: من رجل الأعمال الثري إلى رجل يبحث عن هذه الأعمال.. و من صاحب سوبر ماركت يبيع كل شيء من الإبرة للصاروخ، إلى صاحب دكان صغير يبيع كل شيء من رغيف الخبز إلى رغيف الخبز.. يمكنك الآن أن تشاهده في يد شيخ عجوز مصاب بالشلل الرعاش، كما يمكنك أن تجده في يد (مفعوص) صغير لا يزال يحاول أن يمشي لوحده دون أن يهشم رأسه..
و ما يثير الدهشة حقا هو هذا التطور المدهش في حجم و كفاءة هذه الأجهزة.. لا زلت أذكر هاتفي النقال القديم الذي يملك محبة خاصة إلى نفسي و الذي لا زلت أحتفظ به في درج مكتبي كما يحتفظ عالم الآثار بتحفة أثيرة. صحيح أنه أشبه بثلاجة منه بهاتف، كما أن أحد الأصدقاء يصر على تسميته ب” إبراهيم يرفع إصبعه ” ، إلا أن هذا لا يمنع أن له فوائد جمة تختلف تماما عما صنع لأجله.. ففي أوقات الشدة يتحول بقدرة قادر إلى سلاح أبيض قادر على شج أعتا الرؤوس وأكثرها صلابة.
أما أشنع تحول عرفه عالم الهواتف النقالة هو تطور الأحاديث المتبادلة. فبعد أن كان الجهاز يعتمد محادثات مثل:
– مرحبا..
– سيد (…) هناك اجتماع عاجل في الإدارة.. لذا نرجوا التحاقك بنا في أسرع وقت لو سمحت..
– حسنا.. أنا في طريقي إليكم.
أصبح الآن ينقل محادثات مثل:
– ألو!! (المقدمة المعتادة)
– آلو!!” (الجواب الروتيني)
– أنا حليمة يا مختار (كي لا يظن الزوج أنها خديجة زوجته الثانية في السر.. ظننت الأمر واضحا).
– أعرف يا حليمة.. أنا أرى أن رقم هاتف المنزل على شاشة هاتفي.. بالتأكيد لن تكون هيئة الإطفاء هي المتصلة..
– لن أفهم ذلك السحر الذي يعمل به ذلك لهاتف الذي تحمله أبدا..
– هذا أفضل..
– ماذاااااااا!!! (باستنكار)
– ماذا تريدين يا حليمة..؟
– هل تحب (الكرعين) بالحمص أم بدون حمص؟
– هل هذا سبب اتصالك الآن يا حليمة؟ (بسخط)
– أجل (بوداعة)
– إذن فلتكن (كرعين) بالفول السوداني..
– ماذا قلت؟!!!!!!
“لا يمكنكم الاتصال بمخاطبكم لأنه خارج نطاق التغطية…”

و هناك أمثلة أشنع لا يتسع الوقت و الخاطر لذكرها الآن..

ماذا لو تحدثنا قليلا عن تلك المسابقات الهاتفية الفظيعة التي تقوم بها جميع القنوات التليفزيونية لأجل عيون المواطنين. أعترف أنني كنت مغفلا كبيرا حينما بدا لي الجواب تافها في أحد مسابقات الفوازير، فقررت أن أشارك. اتصلت بالرقم المشئوم و الذي يكون دوما تذكره أسهل من تذكر اسمك ذات نفسه. و بعد لحظات انتظار قصيرة أتاني صوت رقيق لفتاة ترحب بي في برنامج الفوازير. كنت أتوقع أن يكون الصوت الذي يجيبني معدنيا كما يحدث في أي فيلم خيال علمي يحترم نفسه. إلا أنني تذكرت أن أحدهم أخبرني يوما أن الصوت يكون مبرمجا ليرد آليا على المتحدثين، و هو كلام لم أفهمه صراحة لأنني لم أكن يوما ممن يهتمون بالتكنولوجيا.
كنت أتجنب الاندماج مع صاحبة الصوت في محادثات جانبية غير ذات معنى، فلم أرد عليها التحية كي لا ندخل في مسألة التعارف و السؤال عن الحال و الأحوال و عن العائلة المحترمة و صحة الوالد و الجدة، و ربما ينقلب النقاش إلى سمر سياسي أو اقتصادي، أو أي شيء مبهج آخر تحاول الفتاة أن تسوقني إلى الحديث فيه كي أدفع تكلفة أكبر.. أنتم تعرفون أن الأذكياء مثلي لا يقعون في هذه المقالب الساذجة..
و لقد كانت طريقة تحديد الجواب سهلة جدا، فقد قالت الفتاة:
– مرحبا
صمت قصير كنوع من الإثارة و الترقب.. ثم:
– أنت معنا في مسابقة فوازير رمضان..
صمت قصير آخر..
صمت من فئة درهمين و نصف.. ثم:
– إذا كان اختيارك هو الجواب الأول، فعليك ضغط الزر رقم سبعة.. و إذا كان اختيارك هو الجواب الثاني، فعليك ضغط الزر رقم خمسة.. و إذا كان جوابك هو الجواب الثالث، فعليك أن تضغط الزر رقم عشرة (مهمتك أن تبحث عنه)..
المهم أنني لم أضغط أي زر بعد المكالمة، بل اكتفيت بارتفاع ضغط دمي، و بإصابتي بالفالج و بعض مقدمات الاكتئاب الانفصالي..

في الحقيقة، هناك الكثير مما يقال في هذا الموضوع، و لكن هذا يكفي الآن. علي أن أرحمكم قليلا على ما يبدو..

تعليقات على الفيسبوك

Published inنافذة ساخرة

4 تعليقات

  1. بعيدًا عن روعة “المحتوى” كما هو معتاد، ولأنني لا يمكنني أن أمر من هنا دون توقيع، بعيدًا عن عبارات الإطراء المعتادة التي مللتها مني، سأقول:

    هل أدمنت مشاهدة المسلسلات المغربية التي تنتجها القناة الأولى؟
    أهم ما تتميز به هذه المسلسلات هي أنها تسير بك بوتير رائعة من التشويق، ثم فجأة ترى كل شيء يصطدم بآخر وترى كلمة (النهاية)، دون أن تعرف من أين أتت.

    أقصد: بناء المقال لديك في بدايته محكم جدًا، وحافظ على وتير من “الصراع” مناسبة، لكن النهاية جاءت فجأة، وهي مبتورة.

    طبعًا هذه ليست قصة لأحكم عليها من هذه الزاوية، إلا أنني اعتدت أن أقرأ لك أعمالا احترافية، لهذا غاضتني النهاية لديك.

    تذكرني بالشخصيات السياسية لدينا حين يحرجون أمام سؤال صعب، فيلتفون حوله بكلام مكرر، ويقولون في الأخير: الحقيقة أن الموضوع يحتاج إلى وقت أطول لهذا أكتفي بهذا القول. مع أنه لم يقل شيئا ذي علاقة بالموضوع.

    أقول تذكرني فقط، ولم أقل أنك تشبه رجال السياسة المغاربة.

  2. متفق معك تماما فيما قلت.. بل هذا هو تقييمي الشخصي للمقالة حاليا، وذلك لأنها ببساطة أول مقالة كتبتها في حياتي (صدق أو لا تصدق)..
    إنها مقالة للمجلة التي جمعتنا سابقا وتوفيتنا معها حاليا..
    بالمناسبة.. لديهم مقالة حديثة لي أعتبرها أروع ما كتبت من مقالات لحد الآن.. لكنني لم أجدها بالجهاز لسبب ما.. ربما توجد في أحد الديفيديهات لدي.. سأبحث عنها..

    كنت أقول أنها مقالة قديمة وقعت عليها يداي بالصدفة خلال عملية تنظيف غبار على الجهاز.. فكرت في إعادة صياغتها، لكنني من النوع الذي يؤمن أن جمالية العمل في الشكل الذي خرج به أول مرة..

  3. بالمناسبة..
    الراوي هنا ليس أنا قطعا.. انتبهت لهذا الآن..
    كان شخصية تخيلية أردت أن تكون الوسيط الخيالي الذي أسرد به مجموعة مقالات لم يكتب لها أن ترى النور..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *