تجاوز المحتوى

خالف تعرف!

من المفترض أن يكون هذا باباً ساخراً.. لكنني أكره دخول البيوت من أبوابها.. لأن هذا يكون غير صحي في أغلب الأحيان كما تعلمون.. لا أحد يدخل بيت أحدهم من بوابته ليسرق أسراره ويفضحه على الملأ.. لذا فالدخول السري من النافذة يناسبني أكثر.. هذه إذن نافذة ساخرة.. والنافذة الساخرة غير النافذة الكوميدية.. فمن كان يتوقع أن ينقلب على ظهره من الضحك فلن يجد ضالته هنا.. لأن الواقع أشبه بكوميديا مبكية أكثر منه بكوميديا مضحكة.. فلنطل معا من النافذة ولنسترق الرؤية..

– – – – –

إن لنا فلسفتنا الخاصة في الحياة: فلسفة خالف تعرف!

نحن نسعى إلى الاختلاف بأي شكل من الأشكال! أن نتملص من كل ما يمكن أن يلصق بنا شبهة تقليد الغرب.. كل هذا جميل ورائع.. و لكن الأكثر روعة هو أننا تمادينا في الأمر بشكل مفزع.. فقد نجحنا في تفادي تقليدهم في كل شيء إيجابي وتمسكنا بالسلبيات فقط.. الدنيا انقلبت عندنا رأسا على عقب.. فأصبحت الكتب المدرسية تستعمل كلفافات لبيع الفول السوداني بدل الدراسة.. وأصبحت الخزانات العامة ملتقى للعشاق.. عشاق أي شيء غير الدراسة طبعا.. وأصبحت الموبايلات تستعمل كأدوات زينة تعلق على الصدور كقلادات.. أما الطامة الكبرى، فهي أنهم أصبحوا يكتبون على علب السجائر: التدخين مضر بالصحة!!!

كل شيء أصبح مقلوبا ويسير بعكس الهدف المرسوم له.. خالف تعرف..

لقد بدأت الحياة تمزح معي في الآونة الأخيرة، فأشاهد مشاهد كاملة مجنونة وأنا جالس في مكاني.. لقد أصبحت أخرف.. أعيش في عالم معكوس.. معكووووووووس!!!

* * *

الطبيب يعطي لمدخن متمرس كتابا عن مساوئ التدخين وأخطاره، وحينما يقرأ المريض الكتاب ويعيده إلى الطبيب يسأله هذا الأخير عن رأيته بما قرأه وما قرر أن يفعل، فيجيبه المريض انه صدم بالفعل لما كتب في الكتاب، لذا قرر أن لا يقرأ مرة ثانية بحياته..

* * *

خالف تعرف..

* * *

أنا بحاجة لمجموعة من الوثائق لتتمة ملف خاص.. الموظف المسئول يطلب مني شهادة الحياة.. شهادة الحياة!! وهل تحتاج شهادة أكثر من وقوفي أمامه؟ أم تراها جثتي من تتحدث؟ أبتسم في تهكم.. إذن فعلينا بإحضار شهادة الحياة.. أخشى فقط أن تحتاج شهادة الحياة إلى إمضاء اثني عشر موظفا كالعادة.. والطامة الكبرى هي أن يحتاج كل منهم على شهادة الحياة كي يثبت أنه من ختم الورقة وليست جثته من فعل.. وهكذا سيحتاج كل من الاثني عشر موظفا إلى اثني عشر موظفا.. وهكذا دواليك!! ولكن ماذا عن آخر اثني عشر موظفا في الحلقة الكبيرة؟ من سيثبت أنهم أحياء..

* * *

حينما تمزح معك الحياة، فإن حجز سرير مريح في أقرب مستشفى للأمراض العقلية يصبح ضرورة ملحة..

أنفصل عن العالم.. أتوه في دوامات تتقاذفني بين وهم شاحب ووهم بين.. وأستيقظ دوما على صوت ضحكات الحياة الجذلة معلنة عن نهاية الدعابة.. أ ربما عن بداية أخرى..

* * *

صراخ جنوني من حنجرة تحاول الاعتزال.. أسنان قاضمة مستعدة للإطباق على كل شيء وأي شيء، ابتداءً من منشفة ملفوفة بشدة، وانتهاء بيد زوج بائس لم يعي خطورة الاقتراب من زوجته وهي تعاني من آلام المخاض.. إن أسرع رقم هاتف يمكنك أن تحفظه هو رقم الإسعاف.. وأسرع رقم هاتف يمكن أن تركبه هو رقم الإسعاف.. لكنك حتما سوف تدفع ثمن هذه السرعة غاليا وأنت تنتظر وصول سيارة الإسعاف ذاتها..

وفي غمرة معاناة الزوجة، فإن الطفل ولابد خارج إلى الحياة.. خروج غير معتاد بالتأكيد.. ويعيش الفتى طفولة بائسة.. فأمه مشغولة عنه دوما.. لم تلاعبه كباقي الأطفال.. لم ينعم بتواجدها لتغير حفاظاته الغارقة في مستنقع آسن.. لم ترافقه ككل الأطفال في أول يوم دراسة. ولم تمسح دموعها حينما حصل على شهادته الدراسة الأولى.. ولا حينما تم قبوله في مباراة لاختيار سائقي سيارات الإسعاف..

نعم.. إن الفتى الآن خارج في مهمة معتادة.. إنها آلام المخاض التي لا ترحم..

لقد وصل الفتى ليقل أمه التي لا تزال تعاني من المخاض.. إحساس غريب حقا.. أول نظرة يلقيها على أمه.. إنه أول شخص يحضر ميلاد نفسه.. وياله من شرف.. إن خدمة الإسعاف لسريعة حقا!!

* * *

بدأت أمل هذه المشاهد المتكررة حقا.. لكنها تطل بي على نوافذ الحياة بشكل لم آلفه.. لذا فلأستمتع بهلاوسي

تعليقات على الفيسبوك

Published inنافذة ساخرة

5 تعليقات

  1. tou tou

    رائع!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

  2. رفعت خالد رفعت خالد

    بسم الله الرحمان الرحيم..

    خاطرة محفوفة بمعاني الألم و الملل و الاستغراب من هذه الحياة.. و ليس من العسير أن يميّز القارئ لها نوعا من الكوميديا السوداء.. تلك الكوميديا التي لا تعدو مجرد ترجمة للشعور باليأس و القرف من الحياة التي نعيشها..

    عشت بين كلماتك عزيزي عصام و تذوقت معانيها المرة أحيانا و المكهربة أحيانا أخرى.. و أعود لأكرر عشقي لكتاباتك الواقعية المحضة البعيدة عن سخافة الخيال العلمي و الذي لا يزيد قرّاءه إلا بلادة.

  3. جلست أعاود قراءة تدوينات قديمة لي لأجد بعض التعليقات الحديثة!
    عزيزي رفعت.. كيف حالك؟ وأين رمت بك الظروف؟
    يبدو أننا فقدنا الاتصال بعد رواق الدب.. لا يهم.. أتمنى استمرار التواصل من خلال المدونة والإيميل..
    شكرا لك على مديحك الرقيق وتشجيعك المستمر!

  4. abdou abdou

    من المؤسف حقا ان تتجنى على رجال الامن بمنطقك الشمولي هذا .نعم هناك من ينطبق عليهم كل ماقلته لكنهم مجرد اقلية او كبارالمسؤولين اما الصغار فهم في محنة وجحيم لا ينتهيان…اريدك ان تتساءل عن حياة رجل الامن كيف يعيش..كم من الوقت يقضي مع اسرته يوميا..كم يتقاضى شهريا…ان اجابتك-اخ عصام-عن هذه الاسئلة كفيلة بان تصحح بعضا من افكارك…كل الادارات المغربية تستفحل فيها الرشوة والفساد لكن لااحد ينتبه ان المواطن هو المسؤول الاكبر لانه يرضخ للابتزاز ولايعرف حقوقه وواجباته بل انه يكون المستفيد الاكبر من من عملية الرشوة …واخيرا اقول جازما انه لايستطيع اي مخلوق كيفما كان موقعه ان يجبر احدا على اعطاء رشوة ابدا

  5. أنا لا اتجنى على أحد يا أخ عبدو.. (هل انت رجل امن بالمناسبة ؟ )
    أنا اتحدث عن حالات عاصرتها وشاهدتها بأم عيني لو لاحظت..
    المشكلة تتجاوز كبار المسؤولين إلى صغارهم لسبب بسيط: كل من حصل على ادنى قدر من السلطة في بلدنا هذه يشعر بأنه مصطفى مميز عن غيره.. وهذا ينمي شعورا بالعظمة يذكي جدوته ضغط كبار المسؤولين عليهم.. يعني كل يأخذ بثأره ممن يليه في السلم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *