Skip to content

ذكريات بَرَد..

إن الجلوس تحت زخات المطر قد يبدو شاعريا بالنسبة لبعض المصابين بداء الرومانسية.. لكنني أراهن أن الجلوس تحت زخات البَرَد لن تكون بنفس القدر من الإمتاع.. المتعة الوحيدة حينها هي متعة الاستلقاء بسرير معتبر بأقرب مستشفى بعد أن شجت رأسك..
أجلس الآن تحت حاجب شمسي أمام مقهى بالكامبوس (COMPUS)، ولا أجد ترجمة مناسبة للكلمة، و أنا أرمق ثاني أغزر زخة بَرَد رأيتها بحياتي.. هذا يذكرني بتجربة قديمة لم تكن سارة على الإطلاق..
كنت صغير السن حينها، وكنت في القرية التي ترعرع بها والدي، والتي ألفت قضاء عطلة الصيف بكاملها بها بصغري.. الحقيقة أن والدي كانا يتخلصان مني بعض الوقت حينها كي يتمتعا بعطلة هادئة.. لكنني كنت أستمتع حقا بالمقام هناك.. حيث الحرية والإنطلاق.. حيث تنظف أذنيك بتغريد ألف طير، وأنفك بعبير ألف زهرة..
لي ذكريات شجية هناك ربما أحكي المزيد منها لاحقا على أسلوب (طه حسين)، لكن هذه التجربة لم تكن أكثرها إمتاعا.
كان الجو هادئا حينما خرجت وابن عمتي (يونس) الذي أكبره بشهرين، في حين تصغر أختي أخاه بنفس الفارق. يبدو أن أمي وعمتي كانتا متفقتان على هذا الفرق الزمني بشكل يسمح لجدتي، أطال الله عمرها، بأن تهرول بين مراكش وتيزنيت كي تحضر الولادات الأربع.
كنا نسوق الحمارة التي كنا نحولها إلى حصان بشكل إجباري وذلك بممارسة جميع أنواع الشك والقرص والضرب بسادية طفولية لا بأس بها، بشكل كان سيسمح لمنظمات حقوق الحيوان بإعدامنا بضمير مرتاح.
و بعد أن حمٌلها عمي بالحشائش التي حصدها، عدنا ونحن نستلقي في الدور الرابع فوق الحشائش فوق الحمارة.
بدأت ألاحظ كتل الغيوم التي كان سوادها شديد القتامة، والتي تقترب بسرعة غير مريحة. لفت نظر (يونس) إلى ذلك، فأطلق عبارة ما عن أولاد المدينة المدللين، وعن هستيريا الرعب التي يعيشونها مع أول حدث غير مألوف.. فأقفلت فمي حانقا..
ولكم أن تتوقعوا ما حدث بعد ذلك.. زخة مطر من أعنف ما رأيت بحياتي، تلتها زخة برد من النوع الذي يخترق الجسد ذاته.. الإظلام تام، والحمارة أصيبت بالعته والحمد لله، فلم تعد تعرف شمالا من جنوب.. لم نعد ندري أين نختبئ.. كنا بعيدين عن البنايات، والحمارة لا تريد أن تتوقف كي نختبأ تحت جبل الحشائش ذاك..
تشتد موجة البَرَد على ظهورنا فنركض إلى الأمام في نفس اتجاهها قصد تخفيف ضررها..
صراخ.. بكاء.. عويل.. ضحك.. ونهيق..
كل شيء امتزج بشكل غير عادي.. تصوروا حمارة تحاول أن تنهق.. هذا يعطيكم فكرة عن الوضعية..
وفي النهاية وصلنا إلى البيت بمعجزة ما، ووجدنا الجميع قلقين، وقد خرج البعض للبحث عنا بعد أن استغرقنا أربع ساعات في رحلة عودة تستغرق نصف ساعة عادة..
الحمارة؟ طبعا تركناها وفررنا بجلودنا.. ماذا كنتم تتصورون؟ وقد وجدوها لاحقا في مكان ما تتقاذفها جذوع الأشجار..

الخلاصة أنها كانت ليلة أسود من البترول ذات نفسه.. ليلة حلمت فيها بجلاميد من مختلف الأحجام تمتع نفسها بشج رأسي واختراق ظهري..
أحلام مبهجة بالفعل..

Published inنافذة ساخرة

8 تعليقات

  1. خسارة! ما زال رأسك سليمًا، كنًا حقًا سوف نتخلص من سماجتك 😀
    جميل أنك اعترفت بجريمتك النكراء. تعذيب الحيوانات جريمة لا تسقط بالتقادم، يمكنك الآن أن تنتظر دستة من دعاوي جمعيات الرفق بالحيوان، بضمير غاية في الارتياح.

  2. عبد المنعم عبد المنعم

    ههههههههههه
    مرة أخرى…

    شكرا اخي العزيز على القصة المشوقة والجميلة جدا
    مع التحية 😀

  3. ممتعة حقًا ..
    الذي أتأسف عليه هو ما أصاب الحمارة بسببك لا بسبب ما أصابها من البَرَد.. فهو على الأقل شيء قد يصيب أي كائن.. أما أنت فكما العادة تستحق كل ما يجعلك فاقد الوعي لمدة تفوق عمر الأهرامات وبعد استعادة وعيك يتكشفون بأنك دخيل فيعذبونك لمدة تعادل الأولى وبعد أن يكتشفوا بأنك غير مذنب تخرج أنت سعيدًا إلى الشارع فرحًا بأن أطلقوا سراحك.. وأنت سعيد فجأة يدهسك أتوبيس سياحي فاخر يقطعك حتت..
    عاجبك كدة..

    قبل أن أنسى.. شكرًا على ذكرياتك 😛

  4. عبد المنعم عبد المنعم

    اطالب برفع دعوى قضائية ضد عصام على تعذبيه للحيوانات ؟
    من يشارك في العريضة ؟

  5. صحيح أننا غريبوا الأطوار حقا..

    ترك الجميع كل شيء وأمسكوا تفصيلة صغيرة كتبتها في سطرين والهدق الأسمى من ذلك هو أن يمسحوا بي البلاط.. فلنر هل بإمكانهم ذلك.. 😀 :

    م.س.ك
    رأسي صلبة للغاية يا صاح.. لن تكفي بعض قطع برد لشجه.. ما رأيك بأن نتناطح في لقاء قريب كي تجرب؟
    سأشج رأسك طبعا، وهذا أمر لا يتناطح عليه كبشان صراحة..

    حمود
    نسيت الفسيخ المحمي الذي سيدخلونه في أذنك ويخرجونه من الأذن الأخرى، و أن يأتي أحدهم يحمل مذراة حديدية ولله في لله يخرم بها جسدك وكل هذه المتع..
    احفظ الأدوار جيدا أيها الوغد..

    لم أكن أدري ان ذكراتي تمتع إلى هذه الدرجة.. أوكي.. كلما سنحتت الفرصة سأروي شيئا..

    عبد المنعم..
    القصة مشوقة وتريد رفع دعوى علي.. هذا جزائي.. تصور أن الدعوى نجحت و أنه تم إعدامي .. من سيقرف عيشتكم بمذكراته..
    فكر جيدا واسحب العرضة أفضل لك 😀

    تحياتي.. وشكرا لمروركم هنا..

  6. فعلا لقد فكرت في الأمر مليا
    وقررت ان أسحب الدعوى…

    ماذا سأستفيد من إعدامك ؟
    خخخخ

    مع التحية

  7. ها أنتذا تذكرني بمسألة نسيتها في صفحة السيرة الذاتية.. لقد قلت هناك أنني سأعود لاحقا ويبدو أنني كنت على حق..

    الإيميل يا سيدي هو: aissam_kudo@yahoo.fr

    مرحبا بك 🙂

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *