تجاوز المحتوى

ظلال في جدران الزمن (4)

بقلم: جمال بوالخورص

الفصلان: الرابع والخامس

الفصل السادس:

الأيام كمفاتيح البيانو, سوداء وبيضاء. لكن حتى المفاتيح ذات اللون الواحد تطلق أنغاما مختلفة..
تساقطت كل الصور من الجدار تماما كما يُسقط الخريف أوراق الشجر اليابسة, وكنت قد اعتدت الأمر, فحين تبرد الجدران يجف الشريط اللاصق وتتداعى صور أبي..
جثوت على الأرض لأجمعها, ثم ألصقتها من جديد على ذات الجدار حتى أتمكن من رؤيتها طوال الوقت, وهي عادة بدأت لتوها. وبعد فترة لن أستطيع التخلص منها تماما كعاداتي القديمة كلها.

————————-

سألتني:
-إلى أين تريدنا أن نذهب؟
-لا أعرف, ظننتك سترغبين بالعودة إلى البيت..
-لا أريد أن أعود إلى البيت الآن..
وسألتها بدهشة:
-وإلى أين ترغبين بالذهاب؟
وتراقصت على شفتيها ابتسامة, وردت بسؤال آخر:
-ما رأيك لو تصحبني إلى مكان هادئ لنشرب شيئا؟ فأنا أشعر بالعطش..
-لست معتادا على ارتياد المقاهي!..
قلتها بحسم, والحقيقة أنني لم أرغب بمرافقتها طويلا. وعرفت أنها استنتجت ذات الشيء, فبقائي معها في هذا المكان يختلف تماما عن أجواء المكتب, وقالت بضيق:
-آسفة! لم أحسبني مزعجة إلى هذا الحد, فكل ما رغبت به هو الترفيه عنك..
وأشعرتني كلماتها بالذنب, وتركتني بعدها لتمشي على الرصيف.
ثم فطنت إلى الحقيقة التي غابت عن عني, أنا خائف من التقرب منها!.
أنا مجرد طفل خائف, طفل تائه في الظلام! أبحث عن ملاذ لذاتي المسحوقة فلا أجد غير أبواب مغلقة تتسلل خيوط النور عبر شقوقها. وكلما حاولت التقرب شعرت بالخوف لأنني ما عدت أدري إن كان النور سيدفئني أم سيذيبني..
000
-أن أستيقظ ذات يوم, وأن أخبر العالم أني أحبك, وأن يتهموني بالجنون بعدها لأنني تخيلتك, وأن يخبروني أنك مجرد ملاك أو روح أو أي شيء آخر قد ينفي حقيقة وجودك..
سألتني حينها:
-وهل أنا موجودة حقا؟
-ربما!
وسكتت لبرهة من الزمن ثم قالت:
-أهذا حقا ما تخشاه؟
أومأت لها برأسي فاقتربت مني. استنشقْت عطرها وسجنته في صدري..
قالت:
-أفكارك غريبة جدا! لكنها تروقني..
وابتسمَت فسألتها بدوري:
-وأنت يا ناهد, مالذي يخيفك؟
-أخاف أن أفقدك..

———————

-كيف حالك؟
-بخير.. بخير! وأنت؟
وأجابت:
-أنا بخير!..
وخرسْت كعادتي, فمن الصعب أن أجد عبارات كتلك التي تغرق بها النساء بعضهن, وكنت أحسدهن دوما على تلك الموهبة. ولما تكلمَت لمسْت نبرة السعادة التي تفيض من كلماتها, قالت:
-أنا أنتظر مولودا!..
فاجأتني, تلعثمت في البداية ورحت أبحث عن كلمات مناسبة لأرد..
ووقفت أمام النافذة أطل على الشارع المهجور, كان المطر يغسل وجه المدينة وينثر الرذاذ على الإسفلت وفوق الطرقات ويبلل المارة..
-ما بك؟
ونظرْت إلى ناهد الجالسة على طرف مكتبها, وأجبت:
– لطيفة أختي حامل!..
صفقت بكفيها كالأطفال وقالت بسعادة:
-يا الله !. كم هذا جميل!.. مبروك لك, ستصير خالا عما قريب…
ولما انتبهت إلى عدم مجاراتي لها قالت تسألني بقلق حذر:
-هل هي متزوجة؟
-بالطبع!..
-لم أنت قلق إذن؟
وتنهدْت بحرقة لعلني ألفظ ولو القليل من الضيق الذي يخنقني, وقلت بعدها:
-يجدر بي أن أكون سعيدا, لكني لست كذلك!. لا أعرف ماذا يحدث معي, فأنت سعيدة لمجرد سماعك الأمر رغم أنك لا تعرفينها.. وأنا أخوها الذي يفترض به أن..
وفضلْت أن أخرس لأنني بالطبع لم أعرف مالذي ينبغي أن أفعله, ووجدَت حيرتي وميضا من السلوى في ابتسامتها المشفقة وسمعتها تقول:
-لم لا ترسل لها هدية؟..
——————–

الفصل السابع

-ناهد..
-نعم؟
-هل تحبينني؟
وانتابها الذهول لبرهة, وفتحت فمها لتقول شيئا ثم ضحكت وأدركْت أنها اعتبرت الأمر مجرد مزحة, فقلت:
-لماذا تضحكين؟ أنا جاد!..
وألقت قلمها على المكتب, وضعت خذها على كفها وقالت:
-حسنا, دعني أفكر!.
-وهل يحتاج الأمر إلى تفكير؟
-كلا, أنا أفكر في الصيغة المناسبة للإجابة..
وصمتت ولما طال الصمت انتابتها نوبة جديدة من الضحك, حاولَت في البداية أن تتغلب عليها لكنها أفلتت ضحكة أكبر وأقسى. وعرفت أنها تستمتع بتعذيبي فقلت:
-انسي الأمر!..
-أحقا تريدني أن أنسى؟
واجتاحني الغضب فغادرت الغرفة, ولما خرجْت إلى الممر لحقت بي وركضت خلفي عبر الدرجات..
-آسفة! لم أقصد إغضابك..
ووقفت أرمقها لبرهة, ولم تتمكن من تثبيت عينيها على وجهي, فأزاحت عني بصرها وسألتني:
-وماذا عنك أنت؟ هل تحبني؟

————————

ربما تنبع حاجتنا إلى استقصاء الحقيقة من جهلنا لها, لكني أدمنت أن أسأل الآخرين أسئلة أعرف إجاباتها أو بالأحرى أسئلة أتوقع أجوبتها, وجنحت عن القاعدة هذه المرة وسألتها:
-ناهد, هل أنت بخير؟
نظرت نحوي, وكنت قد قررت أن أضع حدا لتلك الأسئلة التي يعج بها صدري, أردت أن ألفظها حتى أرتاح.
-وهل تعتقدني كذلك؟
ولم أقل شيئا, فتابعَت بصوت منكسر:
-كلا, لست بخير, أنا مريضة!..
وأخبرتني أنها تتقيأ كثيرا, وأنها تتعرض أحيانا لنوبات ألم تجعلها تفقد وعيها. وتقضي الليل أحيانا وهي تتألم فلا تقدر على النوم, وعرفت حينها سبب شحوبها وضعفها..
-لهذا كنت تحتاجين المال بشدة!..
-أجل..
-والدك كان يستدين مني أيضا..
ولم يفاجئها الخبر, ودمعت نظرتها على الأرض وقالت:
-أعرف, كان يبتاع لي الدواء..

——————————

-ما بك؟
زفرت وأفرغت محتويات صدري, لكني شعرت أن هناك المزيد. أشياء كثيرة تسد أنفاسي وتخنقني.
وكررَت:
-مالذي يزعجك؟
-لست أدري!..
ثم قررْت أن أخبرها الحقيقة التي لطالما سجنتها في داخلي, ولكنني عرفت أن هذا لن يحررني أبدا..
-أنا يتيم مثلك تماما يا ناهد. لم أر أبي أبدا, رحل قبل ولادتي بأيام!. وكل ما تركه لي هي صور قديمة مزقتها أمي في لحظة غضب وألقتها في القمامة, لكنني تمكنت من جمعها, وألصقتها من جديد..
جمعتها قطعة قطعة!.. وأدركت في النهاية أنني -ومهما فعلت- لن أمحو شقوق الكسر في روحي..
-فليرحمه الله..
-لا أعتقد ذلك!.
ونظرت ناحيتي بغضب, لكن ملامحها سرعان ما لانت ووضعت يدها على كتفي, وقالت:
-لا تقل هذا!..
-أبي انتحر يا ناهد, انتحر!.
———————-

الفصول الأخيرة

تعليقات على الفيسبوك

Published inمحاولات

كن أول من ‫يعلق على المقالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *