Skip to content

ليلة أنف السنة

لا أحد يقاوم أن يبدأ مقالا في سنة جديدة دون أن يتحدث عن ذلك.. إن هذا أقوى منا جميعا.. بالتأكيد مللتم من أن الجميع يتحدث في هذه الفترة من السنة عن الإحصائيات، وعن الأفضل والأسوأ، وعن شخصيات السنة، وعن القرارات التي اتخذوها للسنة القادمة كي لا يطبقوها.

منبع الملل هنا غير مرتبط بجودة المقالات بقدر ما هو مرتبط بالملل من التكرار والنمطية. وأنا بدوري، ومن منطلق الإمعان في الإملال، لن أقاوم إغراء الحديث عن موضوع الساعة: كيف تذهب السنة القديمة، وتحل مكانها السنة الجديدة.

الفنان الساخر المغربي الجميل جاد المالح، تحدث سابقا عن ظاهرة “أراك السنة القادمة”، وهي الدعابة القديمة التي لا يمل من تكرارها أحد في آخر يوم من أيام السنة. هذه العادة لا زالت ممارسة على نطاق واسع جدا. لا بأس، فخفة الدم مطلب وطني وإن كانت معتصرة.

أين ستقضي رأس السنة؟ سؤال يوجه لي دوما من أحدهم في هذه الفترة، وأقاوم بشدة جوابا سمجا من طراز “عند قدميها”. فأجيب: “في فندق (سوبيطان)”.. يحرك السائل عينيه امعانا في التفكير في موقع هذا الفندق ويسألني: “وأين يقع”.. الجواب المباشر يكون: “بجانب فندق سوكاشة”.. حينها يفهم ويبتسم أو يضحك حسب درجة تقبله لسماجتي. الاسمان بالمناسبة عبارة عن نطق فرنسي سريع لجملتي (فندق تحت البطانية) و(فندق تحت الغطاء). وهما فندقان دافئان ألفت أن أقضي فيهما ليالي أنوف السنة جميعها منذ خلقت. اللهم إلا السنة الماضية حيت اضطررت للخروج مع ضيوف لدي من العائلة، كي أكتشف أنني لم أكن أضيع على نفسي الشيء الكثير.

ما يحدث في مدينة أكادير مثلا، هو أن الكورنيش يتحول (ماراثون) يذرعه المتجولون في ازدحام شديد جيئة وذهابا بانتظار منتصف الليل حيث تطلق الفنادق والمقاهي مفرقعات هوائية التي تعتبر الجانب الممتع الوحيد في الموضوع، لو اعتبرنا (مفرقعات عاشوراء) تلك متعة. أما باقي الموضوع يتلخص في تحول شوارع المدينة إلى ساحات لتصوير فيلم The Fast and The Furious في مخيلة السائقين المخمورين.

هذه وجهة نظر الأشخاص المحترمين. دعونا الآن نلقي نظرة على مقاطع من هذا المقال الذي يصور لنا أوجه احتفال أخرى بلسان أصحابها:

عائلة غيزوان، التي تقطن في أحد الأحياء الآهلة بالسكان في الرباط، معروفة بدماثة أخلاق أفرادها وطيبوبتهم في الحي كله، غير أن هذه الأسرة “المحافظة” تتغير طباعها تماما في احتفالات ليلة رأس السنة، حيث تجتمع ـ أبناء وبنات وأبا وأما ـ على مائدة تُدار فيها كؤوس الخمر بدعوى الاحتفال برحيل سنة وقدوم سنة جديدة.

إذا كان هذا ديدن الأسر المحافظة فالمرجو اعتبارنا من الأولياء الصالحين.

ثم ما سر انتظار ليلة رأس السنة لتغيير هذه الطباع؟ هل هذا نوع من التطهر بإخراج كل الموبقات دفعة واحدة في يوم واحد كل سنة؟

لو أن أحدا من هذه الأسرة أكد لي أن هذا ينفع، فذكروني أن أخرج لأفسق بدوري السنة القادمة.. وكله في سبيل التطهر. امنعوني فقط من الخروج عاريا منعا للإحراج.

مصطفى، شاب في عقده الثالث وأحد أفراد هذه الأسرة، قال في تصريح لهسبريس “إن هذا الاحتفال الذي تقوم به عائلته يرجع إلى سنوات عديدة، حتى أنه فتح عينيه على هذه “العادة” التي لا تسبب الضرر لأي طرف”، مضيفا بأن “أقصى ما يفعلونه هو شُرب بعض أعضاء العائلة ـ وليس جميعهم ـ كؤوسا “خفيفة” من الخمر قصد المرح وتجديد النشاط”، وفق إفادة هذا الشاب.

حسنا.. لقد وصلني الرد مباشرة. إنها كؤوس خفيفة من الخمر قصد المرح وتجديد النشاط!

لو سمحت يا أخ مصطفى، هل لك أن تعطينا مقياسا علميا للكأس الخفيف، كي لا نزل وتنفجر حيويتنا ونشاطنا في وجه أحدهم.

هذه دعوة رسمية مني يا جماعة الخير.. من كان منكم يمارس الرياضة لتجديد نشاطه فقد أصبحت هذه الطرق موضة قديمة.. اشربوا لكم بعض الكؤوس الخفيفة، وركزوا جدا مع مع كلمة الخفيفة هذه كي لا تقعوا في مصيبة.

سميرة ، طالبة جامعية في الثامنة عشر من عمرها، تعترف بأنها لا تبيت خارج البيت ولا يمكنها ذلك طيلة السنة إلا إذا كانت موجودة عند أحد أفراد عائلتها، لكنها في ليلة رأس العام “تنقلب” هذه المعايير الأسرية ليُسمَح لها من طرف والديها وإخوتها بالمبيت مع صديقاتها في بيت إحداهن للاحتفال الذي لا يخرج عن الرقص والمرح ومشاهدة سهرة التلفزة بهذه المناسبة.

يا سيدي على الورع!!

خلال هذا الاحتفال الخاص يقع أحيانا أن يحضر زملاؤها في الدراسة ليصبح الحفل مختلطا”، مشيرة إلى “أنه لابد من حدوث تجاوزات لا يمكن توقعها أبدا من قبيل إصرار بعضهم على شرب الخمر أو تدخين شيء من المخدرات، أو محاولة التغزل بالفتيات الحاضرات”، قبل أن تردف بأنها “تحاول جاهدة أن لا تتورط في مثل هذه المشاكل التي لا يمكن فصلها عن طقوس الاحتفال”

ما دمنا نتحدث عن الطقوس، وبما أن طقوس أي احتفال يجب تقبلها كما هي، فإني أدعو الأخت الفاضلة إلى البحث عن بعض احتفالات عبدة الشيطان عبر الأنترنت، وتذهب للمشاركة في هذه الاحتفالات، على أن تحاول جاهدة ألا تتورط في الكفر الذي لا يمكن فصله عن طقوس هذه الاحتفالات.

الممتع في هذه التصريحات هو أنهم أصبحوا يجاهرون بالفساد صحفيا، ويصور أسلوب حياتنا بألفاظ وعبارات ممتازة من طراز : (محافظة – كؤوس خفيفة – مجرد طقوس…). وإلى هؤلاء أقول: إذا ابتليتم فاستتروا.. (الله يخليكم بالخلا).

Published inأنف في الحدث

8 تعليقات

  1. الرائع في الأمر أنك عدت يا عصام بتدويناتك الجميلة التي تحمل رسائل نبيلة ملفولة بطرافة محببة ^_^
    جعلتني أبتسم وأنا أقرأ، فالجيش الذي هاجم رفعت هاجمني أيضا 😀 (رفعت علق باستخدام الفيسبوك)
    دمت متألقا..

  2. عبد الهادي.. سعيد بمرورك يا رجل، وإن كانت كلمة (عو….) هذه محرمة علي لأنني ما أن أنطقها حتى أختفي من جديد..

  3. إنه التطبيع مع التغريب بشكل لطيف في الإعلام.

  4. تدوينة رائعة جدا.

    بخصوص حال الصحافة و الاعلام فهو يمرر الانحلال بطريقة تشبه نوعا ما طريقة تربص القط بالضحية.

    تحياتي لك

    • أظن أن اهتمام الصحافة منصب بالدرجة الأولى على استقطاب القراء بشتى الوسائل وإن كان بمداعبة خيالاتهم الجنسية

  5. صفاء سوس صفاء سوس

    الله يخلي لينا سوكاشة ديالنا ^^
    ويهدينا ويهدي الجميع .. وماخفي كان أعظم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *