تجاوز المحتوى

يوميات بيزو خانز (1)

ليلة أكثر سوادا من كحل العيون قضيتَها في الطريق من بلدتك الصغيرة إلى الرباط. حافلة يفترض بها أن تكون مريحة! لكنك دفعت ثمن هذا الافتراض غاليا.. دفعته على شكل مقعد لا ينثني، يجعلك تجلس كالبوم طوال الطريق.. دفعته على شكل محرك لا يكف عن العويل مضيفا مؤثرا صوتيا فذا ساهم في رسم سيمفونية الأرق التي تمتعت بعزفها لا محالة.

تصل إلى الرباط مهشم الأوصال. تبحث عن يدك اليسرى فتجدها وراء قفاك مباشرة.. تبحث عن كوعك فتجده مدفونا في بطن رفيقك بالرحلة، في حين يخرج هو يده اليسرى بصعوبة من فمك. تكتشفان أنكما بحاجة إلى دليل (Catalogue) لإعادة تركيب أشلائكما.

أمامكما الآن إحدى مهام (سيزيف) البطل الأسطوري: حمل جبال الأمتعة التي أحضرتماها معكما وكأنكما مهاجران من (تمبكتو)، والوصول إلى المعهد الذي ستبدآن به دراستكما.. “المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي”. لم تكفا طيلة الطريق عن الحديث عن (البيزوطاج) وعن الأساطير التي تحاك حوله، والتي شنٌفت آذانكما من مختلف المصادر. لذا توقعتما أياما أسود من كل قلوب كفار قريش مجتمعين.

تركبان سيارة شحن صغيرة، كان صاحبها الوحيد الذي قبل أن ينقلكما دون أن يحطم جيوبكما. أنتما أذكياء جدا، لذا تطلبان منه التوجه إلى بوابة الداخلية مباشرة وأنتما متأكدان أن الآخرين، الأغبياء، سوف يتجهون إلى الباب الرئيسي ثم يدخلون. لقد كانت لديكما معلومات أكيدة أن التسجيل يكون في باحة الداخلية. أنتما أول من يصل لدهشتكما، والساعة قد قاربت الثامنة إلا ربع. توقعتما أن تجدا طوابير طويلة كما حدث أول مرة في الأقسام التحضيرية، ولكن لا شيء.. الخواء هو عنوان اللوحة.. لا طلبة ولا موظفين ولا قطط حتى..

ترجعان الأمر إلى أن العقلية (الرباطية) ستكون مختلفة حتما عن عقلية منطقتكما.

تجلسان فوق أحد المقاعد الحجرية التي تعانق الجدار على طول البناية اليسرى من المدخل، وتنتظران أول الوافدين الذي لن يكون سوى أحد القادمين من مركزكما حتما.

وقد كان.. إذ دخل (عثمان) من البوابة مجاهدا في جر أمتعته.

عناق.. فالقبلة الرباعية الشعبية الشهيرة الشنيعة.. ثم تجلسون لتتسامروا حول الموضوع الشائق الشائك الذي يشغل تفكيركم جميعا: (البيزوطاج) طبعا.

يخرج رجل نصف حليق من بوابة بناية الداخلية..

طول بعرض بكرش بارتفاع.. هذا هو الوصف المناسب له. يتطلع إليكم بنظرة غريبة، ثم يتجه نحو (عثمان) مباشرة، و يغمغم بصوت متحشرج:

– ” أعطني أوراقك !”

يتطلع إليه (عثمان) باستهجان، ثم يبتسم بسخرية قائلا:

– “أعطني أوراقك أنت أولا!”

يعقد الرجل حاجبيه في ما يشبه الغضب، ويقول:

– “لا تريد أن تتم التسجيل؟”

– “ليس بعد! سأنتظر أن تفتحوا المكتب أولا..”

– “أنا من سيقوم بذلك أصلا..”

– “لا بأس.. أعطيني علامة.. إمارة.. رخصة قيادة.. ورقة رمادية.. أي شيء…”

– “تهرج؟ حسنا.. لن تتم تسجيلك لهذا اليوم!”

– “هذا ما سنراه!”

يحملق الرجل نصف الحليق فيكم بنظرة شذرة تبادلونه إياها بأخرى مشمئزة، فيترككم ويرحل متوعدا إياكم بالعودة لاحقا.

هو طالب إذن كما توقعتم.. ياللهول!! لو كانت هذا الفحل كله طالبا، فكيف سيكون مسئولو وإداريو المعهد؟ عمالقة أسطوريين؟

 

تصل في تلك اللحظة فتاة ترافقها والدتها وتجر معها حقيبة مرعبة الحجم. تسألكم الأم إن كان التسجيل قد بدأ، فتجيبون بثقة أن “ليس بعد!”. هنا يخرج طالبان آخران لا يزال العمش يطمس عينيهما. يتطلعان إليكم في دهشة، ثم يسألانكم إن كنتم قد أتممتم التسجيل بالخارجية أولا. تحركون رأسكم نفيا بشمم لم يتمتع به اللورد (كرومر) نفسه، فيبتسمان في سخرية، ويشيران إلى الطريق الداخلي المؤدي إلى الخارجية.. يشرحان المسألة لكم في بضعة كلمات لطيفة تذيب حاجز التوتر نحوهما، لكنها ترفع من حاجز الإحساس بالغباء إلى سقفه العلوي.. التسجيل يتم بالخارجية أولا.. يالهول!! ستجدون شعبا هناك..

تهرولون جميعا إلى المكان تاركين أمتعتكم بيد الله (لا أتحدث هنا عن الوزير السابق طبعا). وكان ما خشيتموه.. كان مدرج صغير شبه ممتلئ ينتظركم.. تدخلون وأنتم تتوقعون أنكم لن تخرجوا قبل الظهيرة على أحسن تقدير.. إلا أن المفاجأة السعيدة كانت بالانتظار: التسجيل كان يتم بالترتيب الأبجدي.. هذا يعني أن كل من بدأ لقبه بحرف “Z” قد حكم عليه بالإعدام مللا، و بأن تصل لحيته إلى الأرض بانتظار دوره. إنه الغباء الإداري في أشنع صوره..

كان رفيقك (عبد الله) هو أول من استفاد من ذلك الغباء، وخرج وهو يحييك بابتسامة من نوع “لقد سبقتك”.. فتجيبه بدورك بابتسامة من نوع “تبا لك!”..

وحينما تتم العملية بدورك، تهرع لتلحق بما تيسر من غرف مناسبة.. و هناك، في ممر ضيق يفصل الملاعب عن باحة الداخلية.. حيث صواريخ الهواء التي تقتلع صدرك وأنت واقف.. هناك كان (عبد الله) واقفا على ركبتيه وهو محاط بأكثر من ستة طلبة قدامى.. إنه أول ضحية لهذه السنة كما ستعرفون فيما بعد.. هذا هو ما يسمى بحظ الدجاجة.. تظهر أولا، فتذبح أولا!تتظاهر بأنك الرجل الخفي، وتمر بجوار الجمع المنشغل وكأنك غير معني بالأمر. ولدهشتك لا يهتم أحدهم لأمرك وكأنهم انغمسوا تماما في ما يمارسونه على صديقك من أوامر.

تجد مجموعة أخرى من الطلبة الجدد قد بدأت عملية التسجيل بالفعل، غير عالمين بما يحصل بالجوار، وإن كان جو من التوتر مخيما على المكان.. تضع أوراقك في مجموعة صف الانتظار، وتحاول أن تتوارى عن الأنظار بجوار شجرة (مزاح) كبيرة.

– “(بيزو).. تعال إلى هنا يا (بيزو)!”..

إن أحدهم ينادي على المدعو (بيزو)..

– “(بيزو) نظارات.. أنا أتحدث معك!”..

أنت الوحيد الذي يرتدي نظارات في المجموعة الواقفة، لكن من قال أن اسمك (بيزو)..

تتظاهر بأنك أعمى أصم أخرس أحول لو استدعى الأمر.. إلا أن تلك اليد التي توضع على كتفك، وذلك الوجه الذي يطالعك بابتسامة كريهة، وصاحبه يسحبك خارج الجماعة، ويتوجه بك إلى مجموعة من الطلبة القدامى.. كل هذه المظاهر تعلن لك بوضوح أنك قد وقعت!

تابع القراءة: يوميات بيزو خانز (2)

تعليقات على الفيسبوك

Published inمذكرات

كن أول من ‫يعلق على المقالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *