العالم الحقيقي
عدنا، والعود أحمد.
يبدو أن علي أن أبرمج إضافة للمدونة تضيف هذه الجملة أوتوماتيكيا في بداية كل تدوينة.
هذه المرة كنت في إجازة. عطلة ممتازة من كل شيء.. عطلة من العمل.. عطلة من الأنترنت.. عطلة من الوجوه المعتادة والأماكن المعتادة.. عطلة من الدار البيضاء المتنكرة بقناع أسود.
إحدى أمتع التفاصيل في هذه الإجازة هو انقطاعي عن الأنترنت لمدة ثلاثة أسابيع بمحض إرادتي. كانت فرصة حقيقية للخروج من العالم الافتراضي والعودة إلى صفوف البشر. أعرف أشخاصا لم يعودوا يتحملون انقطاع النت لساعات، وقد أصبح الأمر أشبه بانقطاع المياه والكهرباء بالنسبة إليهم.
كانت فرصة ممتازة للتحدث أكثر فأكثر مع أشخاص والنظر في أعينهم مباشرة وأنت تخاطبهم. استشعار خلجاتهم وملاحظة ردود أفعالهم. هذه أشياء مستحيلة تماما وأنت تنتظر قراءة السطر الذي سيرسله مخاطبك من أمام شاشته بعد الجملة العتيدة : “مخاطبك يقوم بالكتابة…”.
كنت دوما أعتبر التواصل الإلكتروني ذا قصور فظيع لأنه لا يحمل انطباع المشاعر الذي يحمله الصوت والصورة. شيء لن تنجح ابتسامات العالم (smileys) في نقله حتى لو استعملت خمسة ابتسامات في الجملة.
هنالك شيء آخر يقرفني بالتواصل الإلكتروني، وهو أن مخاطبك يكون أكثر ثقة أو أكثر جرأة أو أكثر وقاحة من المواجهة المباشرة. نوع من القناع الإلكتروني الذي يغطي ردود أفعاله. لا اتحدث هنا عن أولائك الأبطال الذين تستطيع أن تكتشف بسهولة ان أوداجهم منتفخة والعروق قد احمرت في وجوههم بمجرد قراءة ما يكتبون. الحقيقة أنني لم أفهم قط كيف يمكن أن ينفجر الإنسان غاضبا في وجه أحدهم على النت حينما يملك الوقت الكافي للهدوء والرد بروية.
أريد رؤية العروق الحمراء مباشرة.. أريد سماع حنان الصوت أو خشونته.. أريد أن أرى ابتسامة الخجل على وجه من أغازله أو أمدحه.. أريد أن نتوقف عن التواصل بالحروف القاصرة، ونعود أكثر إلى صفوف الجماهير الشعبية.. جماهير العالم الواقعي.



