Skip to content

ظلال في جدران الزمن (3)

بقلم: جمال بوالخورص

الفصل الأول
الفصلين الثاني والثالث

الفصل الرابع

غادرت ناهد مكتبها وبدأت تسير عبر الغرفة, وشعرْت أني قد أجن إذا لم تجلس, وأدركْت أن شيئا ما ليس على ما يرام, ولم يخب ظني..
سألتها:
-ما بك؟
ووقفَت أمام النافذة تماما كما كان والدها يفعل حين يريد أن يستدين مني, وكان يبدأ حديثه بتلك الديباجة عن وضعه المادي وراتبه الذي لا يكفي وغلاء المعيشة, ثم ينتقل إلى وصف حالتي الأسرية, وكوني أعزب ولا أدخن ولا أنفق الكثير من المال..
وفي النهاية يجد المال في جيبه دون أن يطلب ذلك حرفيا, وما يجعلني أحترمه هو وفائه بالدين, فلم يكن يعد المال أمامي كي لا يذل نفسه, وحين يقبض راتبه الشهري أجد المظروف أمامي على الطاولة, والغريب أني لم أكن أعده بدوري, وقد جمعت المظاريف كلها في درج مكتبي لأمنحها إياه كلما أراد أن يستدين..
وأجابتني ناهد بعد تردد:
-لاشيء, أنا انتظر مكالمة فحسب..
وحاولت أن أغرق نفسي في العمل بعدها, لكنها لم تتوقف عن مشيها المحموم, وأردت أن أضع حدا لتلك الفراشة التي تحوم حولي, وقررت أن أحرق جناحيها لأرتاح..
-هل تحتاجين إلى مال؟
هزت رأسها نفيا, ووجدت نفسي أسألها:
-كم تريدين؟
فتحت الدرج وسحبت أحد المظاريف. وكادت تقفز فرحا لما تسلمته لكنها تماسكت وجلست في مكتبها أخيرا. وقالت:
-لا تقلق, سأرده لك قريبا..

———————
قلت لها ذات مرة:
-لا داعي للتبرج فأنت جميلة هكذا..
لعقت وجهي بعينين دافئتين وقالت:
-هل تغازلني؟
وألقت مرآتها الصغيرة فوق مكتبها وضحكَت فضحكْت بدوري, وفتح هذا شهيتها للكلام فسألتني:
-ما رأيك لو تذهب معي؟
-إلى أين؟
ولما غادرنا سيارة الأجرة أشارت إلى حيث المبنى الصغير, وقرأت العبارة الكبيرة “المعرض الثاني للكتاب”, وقاومت رغبتي في الرفض لكني فوجئت حين وجدت المكان شبه فارغ, وسألتها:
-لم المكان فارغ؟
وابتسمت قائلة:
-لأن لا أحد يهتم, لو كان معرضا لمواد التجميل أو الأجهزة المنزلية لأختلف الأمر..
وتركتني أتجول بين صفوف الطاولات التي تملأها الكتب, وما أدهشني هي تلك الكتب المغلفة فلا تجد سوى عنوان غامض ورسم أكثر غموضا, وتساءلت عن جدوى تعليب الكتب!..
وأعجبتني الموسيقى الهادئة, ولم أكن قد سمعتها من قبل فسألت أحد المنظمين:
-هل أستطيع الحصول على الشريط الذي تبثونه؟
-آسف, لكنه ليس للبيع..
-وكيف أعثر عليه؟

—————–

ومن عاداتي الغريبة في طفولتي أني كنت أفتح دفاتري وأنثر حبات السكر فوق إحدى الصفحات, أنتظر حتى يتجمع النمل فوقها فأطويه عندها, وفي النهاية أحصل على ورقة جميلة تنقطها أجساد النمل المتيبسة.
ثم حاولت أن أكتب ذات مرة. جلبت قلما وورقة, ووجدت قلمي أميا لا يستطيع أن يكتب ولو مجرد حرف, واكتشفت أني لم أجرب من قبل أن أكتب على ورقة بيضاء بلا سطور, لذا تعذبت كثيرا وأنا أخط رسائل التوظيف. وكم كرهت وثائق المعاملات الإدارية, فأرسم خطوطا بقلم الرصاص قبل أن اكتب ثم أمحوها فيما بعد..
وأحضرت ورقة مسطرة هذه المرة, وتعلمت الدرس الأول حينها: الكتابة ليست مجرد كلمات تتدبر موعدا على الورق..

———————-

-هل اشتريت كتابا؟
وأجبتها:
-كلا, لكني حصلت على اسم الأغنية, أليست جميلة؟
هزت رأسها بحيرة ولم تجب, ورأيت الكتب الصغيرة في يدها.
-يبدو أنك عثرت على شيء يستحق مالك..
وضمت الكتب إلى صدرها بطريقة حميمة وقالت:
-بالتأكيد, فحبيبي نزار يستحق كل أموال الدنيا!…

الفصل الخامس

اعتادت قطة أن تزورني في ليالي الصيف الدافئة, أجدها في السطح وهي تحاول اصطياد الحشرات التي يجتذبها المصباح. كانت حذرة جدا ولم تتجرأ قط على الاقتراب مني. كانت ستفعل حتما لولا السوء الذي تعرضت له, مرارا حاولت أن أعيد إليها ثقتها المفقودة بني البشر وفشلت. ألقى لها فتات الطعام فتفر هاربة, تتسلق الجدار وتهنئ نفسها على النجاة ظنا منها أني أخطأت رمياتي..
وكانت تلك أول مرة تطل فيها الشمس منذ أسبوع, سمعت المواء وأنا أنشر الغسيل وتتبعت مصدره فوجدت ذات القطة وسط صغارها بين ركام الأثاث القديم, جلست أرمق المخلوقات الجميلة وهي تشاكس بعضها, كرات عمياء من الشعر الملون تموء وتتحسس طريقها إلى حضن أمها. ولم أتجرأ على الاقتراب أكثر بسبب التحذير الهامس الذي تلقيته.
لم تمنحني أمي ذات الحب أبدا, لقد تركت عطشا في روحي وجوعا التهم اللحظات السعيدة من طفولتي ولعق أحلامي. وكل عواطفها تشربتها لطيفة حتى الثمالة فكرهتها ولم يكن كرهي لها وليد الغيرة فقط.
واجتاحتني نوبة بكاء مريرة, بكيت وجثوت على ركبتاي. لن تضمد الأيام جراحي ولن تغسل الدموع حزني, ولن أنسى أبدا..
وفيما بعد ولما غادرت القطة وضعت الهررة الخمس في صندوق فرشته بالجرائد, ثم أدخلته إلى السلالم المؤدية إلى السطح كي أضمن بقائها في مكان أكثر دفئا, وحتى لو أغلقت الباب ستتمكن القطة من العبور عبر الفراغ الضيق أسفله. ووضعت لها ماء وطعاما حتى لا تضطر لترك صغارها مجددا.

———————-

انتهى الدوام, وبينما كنت أرتدي معطفي أوقفتني ناهد. رأيتها تخرج علبة خشبية جميلة من حقيبتها لتمدها لي.
-خذ! هذه من أجلك, إنها هدية عيد ميلادك..
-وكيف عرفت؟
-تحققت من الأمر, بالمناسبة ظننتك أصغر سنا في البداية..
وأخذت العلبة من يدها, ولما أردت فتحها منعتني وقالت:
-كلا, ليس الآن..
وظنتها مجرد هدية بريئة من زميلة, ولما عرضت عليها أن أوصلها رفضت وأخبرتني أنها سترافق إحدى زميلاتها, لكنها لم تفعل ورأيتها تستقل الباص وحيدة في طريق العودة. وفطنت أخيرا أنها تعمدت الكذب لأنها كما أظن لم ترغب بمرافقتي.
توقف المطر في الخارج, ورحت أغسل أطباق العشاء بالماء الدافئ كالعادة, لكن عيناي لم تحيدا عن العلبة, وفتحتها فتسربت الموسيقى العذبة في أرجاء المطبخ. أدهشني الأمر فلم احسبها تذكر, لأنها ذات الموسيقى التي كانوا يبثونها في المعرض..
حضرت إبريق شاي, جلست في الصالة وفتحت الورقة التي أعطتني إياها, كانت تلك كلمات أغنية طلبت مني تلحينها..

“أحبك وأنت لا تدري
وحبك في دمي يجري
عيوني من جفاك تدمع
وقلبك يا قاسي لا يسمع
كل ليلة أنا بك أحلم
وأنت يا ناسي لا تهتم..
…..”

وخطرت ببالي فكرة حيرتني: هل تحبني ناهد؟
لم أختبر بعد ليالي الأرق التي يتحدث عنها الشعراء, ولا دموع اللوعة التي تفيض بها حكايات العشق. فالحب بالنسبة لي لم يكن أبدا بتلك القداسة, وجسد المرأة لم يكن يستهويني بقدر ما تستهويني فكرة امتلاكه. ولطالما رغبت أن أظهر تلك الأحاسيس الدفينة في مكان ما من روحي, فأنا أعرف أنها هناك تنتظر تلك الشرارة الصغيرة التي ستجعلها تنفجر. وكثيرا ما اتهمني زملائي في الدراسة ببرود المشاعر, لكنني كنت أخبئها لشخص آخر ربما.

——————–

“أغلب العلماء والعباقرة كانوا فقراء. كأن الفقر هو الذي يولد العبقرية والذكاء..” لكني فكرت أن الفقر لم يكن سببا مقنعا لتفوقي الدراسي, بل ربما يكون نجاحي نتيجة مباشرة لإيماني بتلك الفكرة..
لقد تخطيت الأمر وأنا الآن أكسب ما يكفيني من المال. ولم أكن أدخن لحسن حظي, أو أعاقر الخمر عكس كل الذين عرفتهم. وكان زملائي في العمل يتحايلون علي لأرافقهم, فيمضون الليالي في الحانات بين كؤوس الشراب وفي أحضان المومسات, وربما يكون خجلي الشيء الوحيد الذي أنقذني من تلك الدروب السوداء التي تستهوي خطواتهم الضائعة..
وفي النهاية أصارح نفسي, أنا لست ناضجا. وكل الأشياء التي عصمت نفسي عنها وامتنعت عنها لم أمتلكها يوم كنت في أمس الحاجة إليها, وقررت ألا أبحث عنها من جديد, وتاهت عن دربي فتهت عنها..
وتعلمت الدرس مبكرا, تعلمت أن أسير فوق خط الأمان الرفيع, وأن أتحاشى النداءات التي تعبر أذناي, ومازلت أخشى أن أفقد توازني وتنزلق قدمي إلى يسار الخط, لأني عندها سأضع الأخرى مرغما على اليمين كي لا أسقط..
لقد أمضيت كل حياتي في محاولاتي للفرار, فررت من قريتي وأختي. فلم أكن اتصل بها إلا ناذرا, ورقم هاتفها هو الرقم الوحيد الذي دونته ذاكرتي, الرقم الوحيد الذي أدمنت الاتصال به طوال الخمس سنوات الماضية. فكنا نتبادل الكلمات الباردة عشية كل عيد, وأحيانا أنسى فتتصل لتذكرني.
فبعد وفات أمي ركنت عمري كله على هامش الوحدة. وظننت أن انزوائي وهروب هذا سيجنبني الشعور بالحزن الذي سطر دفاتر أيامي. واعتقدت أن حياتي لا تهم سواي..

———————

بينما كنت أعزف انقطع وتر, وسمعت رنته البائسة لآخر مرة, ولما عجزت عن إصلاحه تركت مكانه شاغرا ولم أستبدله, وتعودت أناملي القفز فوق الفراغ الذي خلفه. وطبعا تعثرت في البداية, ورغم هذا ظل مكانه خاليا حتى في عزفي.
وفكرت أن أستبدله, لكن وترا جديدا لن يسمعني ذات النغمة. فالأول تشرب من عرق يداي فاستأنسته, واعتادت ملمسه..
وصدمتي فكرة مخيفة: لو فقدت وترا آخر فسأعجز عن العزف!..
وجدت ناهد الكيس فوق مكتبي وسألتني:
-ما هذه؟
-أوتار جديدة من أجل قيثارتي..
-هل تجيد العزف؟
-قليلا..
وقالت بعد تفكير:
-اسمع, بإمكاننا أن نشكل ثنائيا رائعا, ماذا لو كتبت لك بعض الأغاني لتلحنها؟

———————-

لفظت جفوني النوم تلك الليلة فغادرت فراشي وحملت قيثارتي إلى السطح. تنفست برودة الهواء وشحنت بها صدري. استبدلت الوتر, ثم بدأت أعزف. لكن نغمة الوتر الجديد شذت عن بقية الأنغام, وقررت أن أزيله..
ثم عزفت ثانية, وانتبهت إلى أمر لم ألاحظه من قبل, فالوتر الجديد يطلق نغمة أصفى وأجمل من البقية. لذا تركته واستبدلت الأوتار الأخرى..

———————

الفصلان: السادس والسابع

Published inتخاريف حرة

4 تعليقات

  1. واو !
    في البدايه قرأت هذ الجزء و من ثم قرأت الجزء الاول والثاني !
    يبدوا ان صنعت ” فلاش باك ” رائع لنفسي ..
    في الواقع يا جمال
    رغم انك تكتب في رواق الأدب أيضاً ، لكن هذه اول مره أقرأ لك بشكل كامل
    في الواقع اسلوبك رائع ..رائع ..مره اخري تستحقها رائع .
    في انتظار البقيه ..
    ملحوظه ..( أبتعد عن روايات نبيل فاروق من فضلك ..احم الاجزاء وتلك الأشياء الرائعه (
    تحياتي ،

  2. جمال جمال

    شكرا هشام
    كلماتك مشجعة بحق
    وفيما يخص الاسلوب الفاروقي’ اعتقد انك تقصد مسالة الاجزاء.. الحقيقة انني انهيت الرواية لكن وبسبب حجمها قررت ان اعرضها على شكل حلقات, وهي كما وقال عصام فيما سبق ستعرض بطريقة منتظمة..
    ولمعلوماتك فقط فهي من عشرة اجزاء فحسب..
    لم افهم ما قصدته بتلك الاشياء الرائعة
    ومرة اخرى شكرا..

  3. ما يقصده باسم بالأشياء الرائعة، هو تعبير مجازي متعاكس متناقض 😀

    ربما لو كان قال : تلك الأشياء المبهجة لكنت استوعبت!
    ملحوظة: باسم أحمدي مخضرم أيضا يا جمال..

  4. رجل احب ناهد رجل احب ناهد

    انا شخص احب انسانة تدعى ناهد .. أحبها من كل كيانه وبكل مايملك جسده من خلايا.. طال الحب ولم تفارقنى جراتى وكنت اكثر رجال العالم جرائة عندما قمت بالمغامرة بكل ما املك من قوة وكرامة واعتزاز بالنفس وكبرياء.. ندما جلعلت من مدرستى طاقم امنى يعمل لخدمتى بداية من مديرة المدرسة الى اصغر طالب بالمدرسة .. كلهم يعملو عندما ياخذون الامر منى من اجل هدف واحد الا وهو تمهيد المكان لمقابلة المحبوبة.. وعندما حدث كل ذلك لم اجد منها سوى كلمة واحدة ..
    لا لا لا لا لااخذت ترددها مرتسن او ثلاث مرات ولكنها ترددت فى عقلى لسنوات طويلة وحتلى الان تتردد.. ها انا ذا قررت الابتعاد ولكن كل ما استطعت ان ابعده ما هو الا 700 كيلو متر عنها ولكنى مازلت اشعر بانى معها فى نفس الدولة وفى نفس القارة وحتى فى نفس الكوكب .. كلها احاسيس تحسنى على الابتعاد اكثر واكثر ..
    تحياتى الرجل الذى احب ناهد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *