الرياضة المغربية.. الضربة القاضية..
30 يناير 2008
كنت قد قررت مشاهدة آخر مباريات المنتخب المغربي في جو جماعي يذكرني بأيام ماضية.. أيام الدارسة، حيث كتبت سنة 2004 :
الكرة.. تلك الساحرة المستديرة التي لطالما حركت الأفئدة و أهاجت المشاعر..
اليوم اقتنعت أنها أكثر من مجرد لعبة أخرى..
أكثر من مئة زوج من العيون متعلقة بشاشة واحدة.. بكرة واحدة.. بفريق واحد..
حجزت المقاعد في مقهى العهد منذ الثامنة صباحا..
الكل يضع وريقة صغيرة فوق كرسي ما كنوع من الحجز المسبق..
حتى كراسي المقصف المجاور لم تعد كذلك.. و انتقلت إلى حرم المقهى..
و حتى الطاولات لم ترحم، و تحولت إلى مقاعد إضافية بقدرة قادر..
الثانية عشر و النصف.. المقهى ممتلىء عن آخره..
الأوكسجين منعدم، و الواقفون أكثر من الجالسين..
و لو كان بإمكان البشر التعلق بالسقف كالخفافيش لفعلوا..
و تبدأ المباراة..
و تتحرك المشاعر مع كل محاولة تهديف..
و تهتز الافئدة مع كل محاولة ضائعة..
لحظات رعب فائق و الكرة في منطقة خطر فريقنا..
يخيل لك أن الكل هناك.. يلعب على أرضية الملعب..
الكل يلعب بصراخه .. بهتافه.. بتصفيقاته الحارة..
و فجأة.. و كحلم طائر.. أتى الهدف..
تزعزعت الجدران من هتاف الحناجر..
يخيل لك أن لهيب العناقات الحارة يلفح وجهك في ضراوة..
حينها.. حينها فقط، تكتشف حلاوة اللعبة..
تنفض عنك مظاهر الرزانة لترقص فرحا..
و تدمع عيناك و انت تصفق و تغني مع الاخرين بصوت واحد و نفس واحد..
فيال روعة الفرجة الجماعية..
فتعالوا الآن نتحدث عن الهراء الجماعي الذي عشناه جميعا في مقهى بالدار البيضاء..
كان الجميع يجلسون ممنين أنفسهم بصحوة الأسود (المدللة) لتعود إلى المنافسة من جديد. والحقيقة أن أسودنا تحولت إلى قطط وديعة أمام إصرار فريق يلعب ولا يمزح.
في البداية وجدت كل الكراسي ممتلئة والواقفون أكثر بمراحل من الجالسين..
مع الهدف الأول الذي مني المنتخب به، وجدت نفسي جالسا متمتعا بأربعة مقاعد فارغة بجواري..
مع الهدف الثاني، كان الأوكسجين قد ملأ المقهى مجددا ووجدنا متنفسا لنا..
تزايد الحماس مع تسجيل أول هدف لنا، ثم قتل تماما مع تلقينا للهدف الثالث، ليتحول اللقاء بالنسبة لي على الأقل إلى مهزلة تستحق الفرجة وتثير هستيريا من الضحك..
أجل، تحولت على معتوه آخر يضحك مع كل جرة كمان تعزفها قدم لاعب من لاعبينا، ومع كل محاولة خرقاء..
وحينما تحول الأمر إلى مباريات للخيال العلمي، كاد يسجل بها الخصم بضربة مقض خلفية، ولقطة أخرى اخترق خلالها المهاجم (أغوغو) دفاعنا كالورق، هنا كدت أستلقي على الأرض مهلكا بالضحك.. ناهيك عن مشهد لاعب غاني يخرج محمولا على نقالة بسبب ضربة من مؤخرة أحد لاعبينا.. (الحصول.. ضحكنا مزيان!)..
لا بأس إذن.. بعد وفاة التنس منذ مدة، والانتحار الأخير لألعاب القوى، تأتي كرة القدم لتنهي المجزرة وتعلن رسميا أن المغرب أصبح صفرا كامل الاستدارة في المنافسات الرياضية..
المهم في هذا كله، هو أنني أعجبت جدا بتلك الروح العربية القومية العالية التي يتمتع بها المعلق التونسي الرائع (عصام شوالي) والتي لا أدري لماذا لا يتمتع معلقونا بعشرها حينما يتعلق المر بالمنتخب التونسي أو المصري مثلا.. حيث تجدهم يعلقون وكأن فريق العدو هو من يلعب.
هناك توجه منتشر بكثرة هنا في المغرب مفاده أنه من الأفضل أن تنهزم مصر وتونس أمام أي منتخب إفريقي أو عالمي آخر.. والسبب، حسب مزاعم المعتنقين هو أنهم (فيهم العياقة)، وخصوصا المصريين..
يا سيدي الفاضل.. إذا كنت تعتبر التعبير، وإن كان مبالغا، عن الحب للوطن والانتماء مجرد “عياقة”، فأتمنى لو كنا “عايقين” بدورنا.. ولو كان منتخبنا كذلك لما خسر بهذه الطريقة التي تدل على اتعدام روح الوطنية.. (بالدارجة.. ما فيهومش النفس لي عند المصريين)..
على العموم سأعود لموضوع الإحساس الوطني هذا في تدوينة مفصلة لاحقة، لأنه يحتاج تفصيلا أكبر، ووقتا لا املكه حاليا للأسف..



