علم يحرق.. وزارويط ترفع.. وتمارين رياضية إجبارية..
2 يونيو 2006الرباط..
مدينة العرفان..
الساعة الحادية عشر ليلا..
منع رجال الشرطة سائق سيارة الأجرة التي أستقلها من تجاوز بوابة العرفان. فأنقدت السائق أجرته وأنا أتوجس خيفة، وعلى أتم اليقين أنني لن أمر من المنطقة بسلام.
العارفون بالمنطقة يعلمون أن وصولي للمعهد الذي أدرس به يستلزم مروري الإجباري ببوابة الحي الجامعي السويسي. تلك البوابة التي كانت البواجهة المقابلة لها ملغمة برجال القوات المساعدة (رجال مكافحة الشغب)، وكرواتيا (هذه لا أجد لها وصفا مناسبا)..
لم يكن لي في الأمر ناقة ولا حتى صرصار. بل لم أعرف أصلا ماذا يحدث وما سبب هذا الإنزال.
كان الوضع مستفز الهدوء، والقوات والطلبة يتراشقون بالنظرات. فقررت أنني لن أنتظر اشتعال الأمور، ومررت بكل صفاقة من أمام رجال الأمن وكأنني اللورد كرومر في أيام مجده. كنت قد حسبتها بمعادلة بسيطة: من الأفضل أن لا أكون في صفوف الطلبة مباشرة وقت الهجوم.
لم أكد أتجاوز رجال الأمن، والذين كانوا حتما قد حولي جسدي إلى غربال من شدة التحديق بوقاحتي، حتى سمعت صوت انفجار صغير قادم من جهة تجمع الطلبة، وشممت رائحة احتراق غريبة.
ذلك كان إيذانا ببدء الهجوم الكاسح!
اهتزت الأرض من تحت قدمي، فالتفت لأجد ثورا آدميا يندفع نحوي.. وقد كان هذا آخر مشهد لرجال الأمن رأيته. بعدها كنت قد وصلت إلى المعهد الذي يبعد بقرابة النصف كيلومتر عن مكان الواقعة. لم أكن أعرف أن بإمكاني المنافسة على اللقب الأولمبي لمسافة للنصف كيلومتر طيرانا، وليس ركضا، إلا لحظتها.
هذا عن قصتي الصغيرة!
نأتي الآن لما حدث بعد أن فررت بجلدي..
طبعا كان لابد من اقتحام للحي الجامعي (السويسي 2) كالعادة، وهذا تقليد متعارف عليه! التجديد الحق هنا هو اقتحام حرمة معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة (IAV)، وهي سابقة خطيرة لم نسمع بها من قبل. فمن المعروف أن دخول القوات المساعدة لحرم جامعي أو دراسي يتطلب موافقة مدير المكان على الأمر، وهو الأمر الذي يوفره مدير الحي الجامعي السويسي عن طيب خاطر، لعجزه المزعوم عن السيطرة على الأوضاع. لكن مدير معهد مرموق كمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، الذي لم يكن لطلبته علاقة بما يحصل، لم يكن قط ليعطي مثل هذه الموافقة. وهذا يفسر عدم اتلاف الممتلكات والأبواب، والاكتفاء بتهشيم رؤوس من يتجول في أروقة المراقد. هكذا لن يوجد إثبات على اقتحام القوات للمكان..
وطبعا لا داعي للحديث عن (الكامبوس) ومقاهيه، وما حصل بها بعد أن طوق المكان إلا مخرج وحيد تأخر رجال الأمن في محاصرته، فأفلت منه من كان هناك، سواء طلبة أو موظفون!
وجدير بالذكر أن هذه المواجهات، إن كان يمكننا أن نسميها كذلك، نتجت عن حرق بعض الطلبة الصحراويين للعلم المغربي، وهو ما يعد جريمة ضد الدولة بعد أن صادق مجلس النواب على الأمر.
هناك سؤالان يفرضان نفسهما حاليا:
ما علاقة كل من هشمت عظامه من طلبة وغيرهم بعيدون كل البعد عن بؤرة الأحداث بما يجري؟
كيف نريد للطلبة الصحراويين أن يحسوا بالانتماء لبلد يشج رجال أمنه رأس مواطنيه كنوع من الترفيه؟!
لست أنكر أن لا معنى حاليا لما يفعله الطلبة الصحراويين كحرق علم بلدهم، ولا أنكر أن هذا يبدو لي كنوع من الحنين إلى شيء من (الأكشن) المفتقد، ولكن يبدو لي أن الترفيه متبادل أيضا مع رجال الأمن الذين يستغلون الفرصة لبعض التمرين العضلي المفيد للصحة..
صحتهم طبعا!


