إن تدوينة اليوم متخبطة لا محالة.. لذا اخترت أن أترك جلستي المعتادة في مقهى ديانا بالعرفان، وآتي لمركز الحاسوب لأكتب مباشرة بدون تزويق..
لقد كنت بحاجة إلى قسم خاص بدواخلي وبتخبطاتي النفسية منذ زمن.. وها قد أوجدته.. فكما يتجه م.س.احجيوج مثلا نحو الاحترافية في مدونته، أتجه أكثر نحو الطابع الشخصي لمدونتي، لأنني لا أطمح أن أصبح صحفيا في يوم من الأيام، ولأن هذا النوع من المدونات هو آخر ما أحتاجه حاليا..
برأيي هذا شيء جميل.. فعلى الأقل يضمن تنوعا حميدا في شبكة مدونات مدارات..
ذكروني في يوم من الأيام أن أكتب عن طابع كل مدونة في الشبكة على حدة..
سأقفز مباشرة إلى صلب الموضوع.. (أكره هذا النوع من التعابير المفصلة حسب مقاسات المواقف.. لكن ما من مفر!)
شكواي اليوم، ومتى لم أكن أشتكي، هي تعدد المواهب!
أرى أحدكم يبتسم بركن فمه، كناية عن التهكم..
وأرى آخر يتساءل ساخرا عن كنه هذا المغرور المثير للشفقة..
لا بأس.. لست آبه لذلك، لأنني أتحدث إليكم هنا بشفافية مطلقة وكأنني أحدث نفسي..
صحيح! إن تعدد المواهب ليس شيئا صحيا بالنسبة لي على الأقل.. بل هو الشناعة ذاتها..
المشكلة الكبرى تكمن في تشبثي بكل موهبة جديدة ترتمي أكتشفها، أو أسعى لاكتسابها.. وهو تشبث خبيث يتحول بفعل التكرار إلى نزوات خانقة لا تفارقني..
أنام اليوم وأنا اتصور نفسي مستقبلا ملحنا لديه فرقته ذات الصيت.. ثم أستيقظ لأجد نفسي أكثر في الأداء المسرحي، والعروض الفردية أو الجماعية.. آكل وجبة الغذاء وأنا أفكر في مستقبلي الأدبي في مليون فكرة تصلح لبداية رواية لا بأس بها.. وربما آخذ القيلولة وأنا أفكر في مستقبلي في اليابان وأنا أنتج أنيمي من النوع الفاخر الذي يروق الكبير قبل الصغير، وذلك في محاولة تناسي المشاكل الشنيعة التي يمكنني أن أواجهها لو فكرت في الإخراج السينيمائي، والذي يسبب مستواه المحلي أكثر من مجرد مشاعر الغثيان..
قبل أسبوع ونصف، قدمت أول عرض حقيقي لراديو وتلفزيون INSEA.. وهي إذاعة تلفزية صغيرة كوميدية موسمية خاصة بالمعهد العالي الذي أدرس به، قناة أردت منذ مدة إنجازها.. الحقيقة أن العمل لم يكن بالمستوى الذي طمحت إليه، لم أستطع أن أحقق في يومين فقط كل الأفكار التي كنت أريد تحقيقها.. فالمونتاج السينيمائي لوحده كان سيحتاج مني أكثر من أسبوع لأنفذ ما أفكر به..
وأتى يوم العرض لأصعق بالإعجاب الخرافي الذي لاقى به الجمهور العرض، ويلجم لساني تماما أمام موجة التصفيق الحاد والجمهور واقف، والذي تلى العرض وأنا واقف على المنصة شاعرا بأكبر خجل واجهته رغم تجربة سبع سنوات من العروض المسرحية والاسكتشات ببلدتي الصغيرة.. البعض يتساءل إن لم يكن علي أن أعمل بأفكار قوة كهذه في القناة التلفزية الثانية، وآخرون يطلبون مني أن لا أضيق أعمالي في أنشطة داخلية كهذه فقط.. كل هذا وأنا لم أحقق نصف ما طمحت إليه، سواءا لضيق الوقت أو لضعف الإمكانيات..
لا أخفي علكيم كم أثلج الأمر صدري ووضعني في نشوة لم أستشعرها من قبل.. لكنه قد خلق بداخلي صراعا رهيبا في نفس الوقت.. فطوال عمري لم أجرؤ على أن أذهب بعيدا في أي من المجالات التي أهواها.. صحيح أنني وصلت إلى مستوى يتراوح بين الجيد والممتاز في العديد منها، لكنني لم أقم بتجارب احترافية من قبل.. لقد بدأت أتساءل إن لم أكن قد خلقت للعمل الفني بدل الاتجاه التقني الذي اخترته كمهندس معلوميات..
هذا يجرني إلى نقطة أخرى: كيف يمكنني أن أمارس كل هذه الهوايات التي ذكرت، وغيرها مما هو أقل أهمية، وذلك محافظا على مستقبلي العملي كمهندس (مع ما يتطلبه من وقت خرافي للمارسة والاتقان)؟
على العموم، كنت قد قررت منذ فترة قرارا عجيبا، لكنه صحي بالنسبة لي حاليا: علي أن أستمر في اعتبار الهوايات مجرد هوايات، إلى أن أستطيع تأمين الاستقلال والاستقرار المادي عبر مشروع ما.. حينها سأتحول تماما إلى تحقيق المشاريع الفنية والأدبية التي أحلم بها منذ زمن..
وشكرا لمن صبر على قراءة هذه الأحلام النرجسية المهووسة..