أرشيف تصنيف 'محاولات'

أمير الفرس (الحلقة الثانية): قلب يخفق..

6 فبراير 2006

“إن الموت مصيرك! إنه قدرك الذي لن يمكنك تحديه!”
رمق الأمير عجوزا تتلخص قسماته في عينين بيضاوين بصيرتين.. عينان خطفتا كل معنى لما سواهما من الملامح، فأصبحتا الوجه كله..
لطالما اعتبره الأمير نذير شؤم.. كره كلماته.. ومقت نظراته التي لا تبصر، لكنها تخترق الوجدان..
إنه يبقي عليه إكراما لخاطر أبيه الملك، و إلا لكان قد فصل رأسه عن جسده منذ دهر..
هاهو ذا العجوز يثبت مرة أخرى أنه منافس عتيد لغراب الشؤم بكلمات قدت منامه..
المصيبة أنه يعرف أن العجوز محق.. و أنه لم يأت بجديد يذكر.. يعرف ذلك بوضوح منذ أطلق سراح رمال الزمن، و أفسد التوازن العام..
إن (الداهاكا) حارس الزمن لن يسمح له بأن ينعم بالسلام مرة أخرى.. لذا لم يكن هنالك بد من أن يقوم بمحاولة أخيرة: سيبحث عن بوابة الزمن.. سيعود للماضي ليحاول إيقاف عملية تكوين الرمال من الأصل.. حينها فقط قد ينعم بالأمن..
يحاول الكلب اللحاق بالرجل.. لكنه ينسى شيئا: الهارب لم يكن وحيدا..
ويتناهى إلى مسامع الرجل عواء يعاني ألم الدنيا..
لا وقت للتوقف.. لا وقت!!
قد يتوقف قلبه في أية لحظة.. لكن هذا لا يعني أن جسده قد يفعل المثل..
إن البقاء هو الأهم..
ينعطف يسارا إلى مدخل زقاق جانبي آخر في اللحظة ذاتها التي غمر فيها الغبار الأسود المنطقة التي كان يحتلها جسده..
وظهرت الأذرع الأخطبوطية الدقيقة من وسط الغبار مندفعة وراء الرجل..
إنها النهاية!..
تبدو له تلك البوابة الخشبية التي تعلن عن نهاية الزقاق كبوابة قبر مرتقب..
يضربها بكتف يكاد ينخلع دون أن تتحرك..
حسنا.. مادام سيموت، فلن يكون سهل المنال..
التفت لمواجهة الغبار.. ومن تحت العباءة أخرج سيفين قصيرين مقوسين بالأسلوب المشرقي الشهير.. أمسك مقبضيهما بالمقلوب، فارتفعا في موازاة ذراعيه بتأهب..
وعلى السطح المصقول لسيف منهما بدا ذلك الوجه المرعب ذي قرني الكبش وهو يخترق المشهد!..

* * *

انطلقت شهقة مدوية مزقت سكون الحجرة، ثم دوى صوت ارتطام مكتوم بالأرض..
نهض (خيري) من السقطة وهو يمسك ركبته المتأذية.. خيل إليه أنها تهشمت لا محالة.. لكن الألم بدأ يختفي ببطء وقد تحولت مسامه إلى صنابير عرق لا تنضب..
إنها ثالث مرة يحلم فيها ذات الحلم بذات التفاصيل.. وليس هذا مصدر رعبه الأكبر.. المشكلة انه يحلم بمقاطع فيديو من لعبة “أمير الفرس” بكل تفاصيلها..
لم يعش قط أحلاما بمثل ها الوضوح.. يكاد يقسم أنها الحقيقة لولا انه يستيقظ دوما في فراشه..
النعاس يأبى جفنيه الآن.. لذا اتجه نحو الحمام الملحق بغرفته، ولأعمل رأسه تحت الصنبور لينتعش قليلا، ثم خرج والمنشفة فوق رأسه.. لمح الخوذة السوداء الأنيقة جاثمة فوق الأريكة..
لم يقاوم النداء، فربط الخوذة بالقابس الكهربائي، واسترخى فوق الأريكة..
ووضع الخوذة..

* * *

- “إنه رائع! راائع!”..
حملقت (ساشا) بملامح (مايا) الهائمة.. مطت شفتيها ضيقا وهتفت:
- “لست أدري ما الذي يروقك بهذا الفتى المدلل! لو صفعه أحدهم لخر باكيا كالفتيات..”
أجابت (مايا) بصوت محتد:
-”هذا لأنك لم تري ماذا فعل بالأمس.. ثم إن هذه ليست المشكلة..”
-”ما المشكلة إذن؟”
-”إنه لا يعيرني اهتماما قط.. حتى أنه تجاهلني أمس حينما رفعت يدي بالتحية في الفصل.. لقد شعرت بحرج قاتل..!”
تمتمت (ساشا) مغتاظة:
-”هكذا الفتيان دوما.. ما إن تعبر الفتاة عن الاهتمام بأحدهم حتى يلعب دور (الدنجوان) الذي لا يهتم لهم قط.. ألم تري وجهك بالمرآة من قبل يا بنيتي؟ أنت جميلة حقا.. وكل فتيان فصلك و آخرون يتمنون رضاك..”
أطلقت (مايا) تنهيدة حارة وقالت بيأس:
- “لكن (كايري) لا يفعل!”
ثم انفعلت وصرخت:
- “لا أريد سوى (كايري)!”
أتى صوت الصدى من بعيد:
-”(كايري)!!.. (كايري)!!”
لكن صوت الصدى بدا خشنا ذكوريا..
-”انتظر يا (كايري)!”
هكذا تأكدتا أنه لم يكن صوت الصدى.. وزاد يقينهما حينما ظهر (خيري) مقتحما بوابة المدرسة ووراءه (تونو) و(شيكي) يصرخان:
-”توقف يا (كايري)! أنت لا تدرك ما أنت مقدم عليه!”
واصل (خيري) الركض باتجاه (مايا) وهو يصرخ:
- “لن توقفاني.. سأعترف لها بكل شيء..”
خفق قلب (مايا) مع سماع العبارة.. غنه يقترب.. إنه يركض نحوها.. أخيرا! لم تكن تعرف أنه كان يخفي مشاعره نحوها.. لم كل هذا الجفاء من البداية إذن؟
تضمخ وجهها بحمرة الخريف، واستعدت لاستقبال النبأ السعيد.. أغمضت عينيها بانتشاء للحظات، فأحست بلفحة هواء تطاير معها شعرها.. فتحت عينيها، فوجدت (خيري) يواصل الركض مبتعدا عنها في الاتجاه الآخر ورأسه يعمل رادارا يبحث هنا وهناك.. حينها فقط فقد أعصابها وانهارت باكية..
مرق (تونو) بدوره بجوارها وحنجرته تكاد تغادر حلقه.. أما (شيكي) فقد كان لا يزال يتدحرج، لأن أمثاله لا يركضون، و أنفاسه تكاد تنقطع..
وصل المكان الذي سقطت به (مايا).. كانت (ساشا) تطيب خاطرها والغضب ينخرها.. توقف ووجهه مزرق من نقص الأوكسجين وقد تحولت كلمة 0كايري) في حلقه إلى (مايا)..
عب جالونات من الهواء ليتمالك نفسه، ووضع يده على كتف (مايا) وهو يقول:
-”دعك منه.. إنه لا يحبك..”
ثم استطرد بوجه كالطماطم:
- ” أنا أفعل!”
ابيض وجه (مايا) رعبا، وصرخت بأقصى قوتها وهي تفر من أمام (شيكي) الذي حك مؤخرة رأسه باستغراب قائلا:
-”ما بها؟”
مطت (ساشا) شفتيها وهي تقول:
-”تلقت صدمتين متتاليتين من النوع الثقيل.. هذا أقصى مما يمكن أن تتحمله أي فتاة”
التفت إليها (شيكي) وقد انتبه لتواجدها للمرة الأولى.. فاحمر وجهه خجلا من جديد وهو يقول في خفوت:
-”آنسة (ساشا).. أنا أحبك!”
هنا سقطت (ساشا) مغمى عليها مباشرة..
حك (شيكي) أرنبة أنفه، وأطلق ضحكة مفتعلة وهو يقول:
-”إن وسامتي فتاكة بالفعل..!”

* * *

كان (خيري) لا يزال يركض هنا وهناك.. وفجأة رمق فتاة من السنة الثالثة فاتجه نحوها بسرعة.. وسألها:
- ” أين (آسومي)؟”
تطلعت إليه مندهشة وأجابت:
-” أية (آسومي) منهن؟”
- “طالبة السنة الثالثة فصل رقم أربعة”..

-”آه (آسومي بوكتو).. إنها تتابع تدريبات فريق كرة القدم الأمريكية بالملعب المجاور..”
لم يعنى (خيري) بشكرها وهو يطير تقريبا باتجاه الملعب..
ثم ظهر (تونو) قبل لحظات من تجاوز (خيري) للبوابة، فتوقف لاهثا وهو يغمغم:
- “تأخرت!! من أين أتى الفتى بهذه السرعة الخرافية؟”
ثم اندفع نحو الملعب..
وهناك.. تناثرت الفتيات المتحمسات فوق مجموعة من الكراسي تتابعن تدريبات الفريق وكل منهن تحاول إيجاد فتى الأحلام وسط هؤلاء الثيران الآدمية.. إلا أن عيون الغالبية كانت متعلقة بلاعب واحد تتابعه بإعجاب.. وفوق أحد الكراسي كان فتاة تمسك كم صديقتها وهي تقول:
-” ألم يحن الوقت لتقدميني لـ (فوجي) يا (آسومي)؟.. أنا أتحرق شوقا!”
تطلعت إليها (آسومي) في ضجر وهي تقول:
-” أخبرتك للمرة الألف أن لا دخل لي بالعلاقات العاطفية لأخي..”
مطت الفتاة شفتيها في خيبة، وتراجعت لتعتدل في جلستها..
وفجأة انسد حاجز النظر أمام (آسومي) بعد أن توقف (خيري) أمامها مباشرة، وتجمد مشدوها..
حملت ملامحها الجميلة صرامة شديدة وهي تقول:
-”أنت تعوق نظري!”
ابتسم (خيري) بافتعال وقال بهمس:
-”أريد أن أحدثك على انفراد لو سمحت!”
قابلت (آسومي) صوته الخفيض بصرخة غاضبة:
- “ماذا تريد!؟”
هنا التفت إليهما الجميع بدهشة، فاحمر وجه (خيري) خجلا، وابتسم بارتباك قائلا:
-”لا يوجد هناك توازن في ترددات حديثنا..”
تغيرت ملامح (آسومي) من الغضب إلى الدهشة، فهتفت:
-”ليس بيننا كلام انفرادي.. ثم من أنت أولا؟”
نفض (خيري) ارتباكه وخجله المصطنعين فجأة، وشد قامته وهو يقول باتسامة عريضة:
-”(أوكاياسو خيري).. طالب بالسنة الأولى..”
-”وماذا تريد؟”
-”ألا يمكننا الحديث على انفراد؟”
عقدت (آسومي) حاجبيها شأن من مل الأمر وقالت بصرامة:
-”كلا!”
هز (خيري) كتفيه بمعنى أن لا خيار هنالك، قبل أن يهتف:
-” إذن فأنا أحبك!”
لو ظهر (مايكل جاكسون) يرتدي جلبابا تقليدا مع حذاء رياضي وشاربه غير حليق لما كان لذلك تأثير يذكر أمام دهشة الحاضرين إزاء هذا التصريح السافر بهذه الطريقة العجيبة..
كان (تونو) قد اقتحم الملعب في هذه اللحظة.. و أثار انتباهه مشهد ثور آدمي يلبس لباس فريق كرة القدم الأمريكية وهو يندفع نحو (خيري) بلا هوادة.. فهتف بحنق:
-”أخبرتك يا (كايري) أن أخاها سيطحنك!”
كان (فوجي) -أخ (آسومي)- ينقض على (خيري) ف تلك اللحظة، فأغلق (تونو) عينيه خشية رؤية المذبحة.. ثم سمع صوت الـ”أوووع”، ففتح عينيه ليقابله مشهد (فوجي) وهو منحن بشدة وقدم (خيري) مدفونة في بطنه..فسقط فكه السفلي أرضا..
سحب (خيري) قدمه إلى مكانها وهو يقول لـ(آسومي) التي لم يحد نظره عنها ولو للحظة:
-”إن حبي صادق!”
تحجرت (آسومي) في مكانها وهي ترى أخاها بكل قوته البدنية وقد جندله صبي أصغر منه بمراحل بضربة واحدة..
ثم ارتفع صوت جرارات بشرية تكتسح الأرض.. كان بقية اللاعبين يندفعون نحو (خيري) وهم ينوون الفتك به..
تطلع إليهم (خيري) للحظة، ثم فر من أمام (آسومي) والفريق كله في أثره.. اختفى الجميع.. وساد الهدوء المكان إلا من أثر الغبار الذي خلفه اللاعبون.. ثم ظهر (خيري) مجددا وهو يركض جارا وراءه الجيش الجرار..
توقف أمام (آسومي) لثانية وهو يناولها قطعة صغيرة من ورقة.. ثم أكمل طريقه..
ألقت هذه الأخيرة نظرة على الورقة فوجت كلمتين: “لقد كنت…”.
رفعت رأسها مذهولة لتجد (خيري) يعود من جديد بقطعة ورق ثانية كتب عليها بنفس الخط المتعرج:
-” …أراك دوما…”
عاد (خيري) مجددا بقطعة ورق ثالثة واللاعبون وراءه دوما.. واستمر الوضع بتلك الطريقة:
-”… في ساحة المدرسة…”
-”… كنت تبدين…”
-”هادئة…”
-”… ورصينة…”
-” وغاية في …”
-”… الجمال..”
-” … والرقة…”
-” أنت لا تعرفينني…”
-” … لكنني أعرفك حق…”
-”… المعرفة.. أتمنى…”
-”… لو تقبلين…”
-” … لقائي…”
-”… أوكاياسو…”
-”… كايري…”
كان (تونو) يتطلع إلى مشهد القطار الراكض جيئة وذهابا، فابتسم وهو يقول:
-”هذا (كايري) الذي أعرفه..”
ثم انقلبت ابتسامته إلى ملامح رعب وهو يتطلع إلى (خيري) الذي كان يتجه نحوه وهو يصرخ:
-” أهرب يا (تونو)..”
وتجاوزه بلمح البصر مخلفا وراءه وحوشا آدمية سعرانة.. وأطلق (تونو) ساقيه للريح مجبرا
رمقت (آسومي) كتلة الوراق التي تكونت بين كفيها، ثم نقلت بصرها إلى بوابة الملعب التي لم يكن الغبار المتطاير قد هدأ بها بعد..
غزت وجهها ابتسامة على الرغم منها، وغمغمت:
-”يا له من فتى!”

* * *

أطل رأس المدرس (أوزوماكي) من باب الفصل لعشر ثانية قبل أن يسحبه مباشرة متفاديا سكينا ضخمة استقرت في الجدار خلفه.. ابتلع غصة خرافية، ثم وضع الخوذة الحديدية على رأسه، وتوكل على الله، ثم دفع الباب..
انطلق الضحكات والقهقهات الساخرة والتلاميذ يتطلعون إلى (أوزوماكي) الذي استقر في درع لفرسان العصور الوسطى.. وصرخ (تونو) متهكما:
-”شباب! (دون كيشوت) ذات نفسه قرر أن يلقي علينا الدرس اليوم.. أبشروا!”
رجت القاعة على إثر قهقهات (شيكي) المتحمسة، وهذا الأخير يردف:
-” ولكنه لن يجد هنا طواحين هواء ضخمة كي يقاتلها..”
ابتسم (تونو) بركن فكمه وهو يقول:
-”وماذا عنك؟”
-” أنا لا أقاتل طواحين الهواء.. ف… مهلا! هل تلمح إلى أنني ضخم كطواحين الهواء؟”

-” أنا لا ألمح.. أنا أجزم..”
-” إذا لم تحترم نفسك فسأبريك يا قلم الرصاص”
-” هذا لن يمنعني من أن أفرقعك يا قنينة الغاز..”
وفي اللحظة التي أطبق فيها كل منهما على ياقة الآخر اخترق المسافة التي بينهما بركار دوار تجاوزهما لينغرز رأسه في الحائط المجاور..
تراجعا برعب.. والتفتا إلى مصدر انطلاق البركار ليطالعهما وجه (خيري) الهائم وكأنه لم يفعل شيئا.. كان يضع قبضته المضمومة تحت ذقنه متكئا بمرفقه على الطاولة.. وكانت عيناه تجاوزان حاجز النافذة الشفاف نحو عالم آخر..
ألقى الاثنان نظرة رعب مجددا على الأداة المغروزة في الحائط الخشبي قبل أن يستديرا مجددا نحو (خيري) الذي لم غير وضعه قط.. اقتربا منه بأقصى هدوء ممكن، وقد كان هذا كافيا بالنسبة لـ(شيكي) ليزيح خمسمائة مقعد ويدفع ألف طالب في طريقه..
-”ما الأمر (كايري)؟”
قالها (تونو) بصوت خفيض قلق..
لم يتحرك في (خيري) سوى بؤبؤ عينيه الذي اتجه لهنيهة نحو صاحبه قبل أن يعاود التطلع إلى النافذة من جديد..
مضت دقيقتان والاثنان يحدقان ب(خيري) الجامد دون حراك.. ثم استسلما وقررا تركه وشأنه..
وحينما استدارا سمعا زفرة حارة فالتفتا إليه بسرعة، وهتف (شيكي):
-” على الأقل لم تصب بالخرس!”
ابتسم (تونو) متعاطفا وهو يهمس:
-” (آسومي).. أليس كذلك؟”
حرك (خيري) رأسه نفيا، فأضاف (شيكي):
-”وعلى الأقل لم تصب بالشلل أيضا..”
رمقه (تونو) بنظرة حارقة تراجع معها إلى الخلف خجلا وهو يغمغم:
-”أمزح فقط..”
تجاهله (تونو) وهو يضع كفه على كتف (خيري) ويقول:
-”لا داعي للإنكار.. لم أرك يوما بهذه الحال! إنها فتاة رائعة الجمال.. أفهم ذلك.. لكنك أصغر منها بسنتين.. وفي مرحلتنا العمرية هذه تبدو الفتيات أكبر من سنهن أصلا.. هذا يعني انك تبدو كابن لها حاليا.. فكيف تريد منها أن تستجيب لعاطفتك المحمومة؟”
هنا التفت (خيري) إلى (تونو) غاضبا، وصرخ:
-”قلت لك ان الأمر ليس ذلك.. ليس ذلك ما يشغلني حاليا..”
-”وما الذي يشغلك؟”
-” يشغلني أنني لا أفهم.. هناك شيء غير عادي.. شيء يسبب لي هوسا.. و أنا عدو ما أجهله.. ثم إنني أشعر الآن بشعور غريب حقا.. أشعر بجسدي يقشعر..”
لم يكد يتم عبارته حتى اقتلعت بوابة الفصل من مكانها.. ومن ورائها بدا مجموعة من المقنعين، وكل يمسك بسلاح يزن اطنانا..
وسمع الجميع صوتا خشنا يقول:
-”هذا هو الفصل المنشود..!!”

انتهت الحلقة الثانية

الحلقة الأولى: أوكاياسو خيري

25 يناير 2006

ما قبل المقدمة
أمير الفرس: تقديم

ها قد حانت لحظة الحقيقة..
والحقيقة الوحيدة هنا هي أخذ القدمين نحو العنق حسب التعبير الفرنسي، أو إطلاق الساقين للريح حسب التعبير العربي..

لقد ظهر وحش (الداهاكا) أو وحش الضحكة، كما ينطقها (خيري) متهكما على لفظة (DAHAKA)..
و (الداهاكا) لمن لا يعلم هو وحش يحمي رمال الزمن.. وحش أسطوري لا يرحم..
لقد انتهك أمير الفرس حرمة هذه الرمال.. فوجب عليه الموت!

يمكننا أن نفهم نوعا ما سبب هذا الركض المحموم الذي يمارسه الأمير فوق شريط صخري ملتصق بحائط شبه متهدم، مطل على حافة هاوية سوداء بدون قرار..
التفاتة واحدة منه إلى الخلف تجعله يجفل و يكاد يفقد توازنه.. لم يكن المشهد المهيب لأذرع أخطبوطية تنبع من صدر (الداهاكا) محببا لو لاحظنا أنها تخترق كل شيء بلا رحمة.. حتى الجدران و الحواجز الصخرية..
ستلحق الأذرع بالأمير لا محالة، فهاهي ذي نهاية الشريط الصخري تبرز معلنة نهاية اللعبة..

لم يكن الوضع يسمح بإنهاء حياة الأمير بهذه الطريقة، فهذا ممل حقا لو نظرنا إلى المسافة الكبيرة التي عليه أن يقطعها من جديد لو توفي.. يمكنكم أن تفهموا مثل هذه الأمور طبعا..

فجأة تباطأ كل شيء، و بدأت المسافة بين الأمير والوحش تتمدد.. إنها قدرة تبطيء الزمن السحرية التي اكتسبها الأمير مؤخرا.. صحيح أنها تستهلك كرة رمال سحرية في كل مرة، لكن هذا لا يهم.. فلا يحتاج الأمير سوى قتل عدو ضعيف حتى يحصل على كرة أخرى و بدون دفع أي رسوم أو ضرائب..

إنه الآن في مواجهة الحافة الشريط غير المكتمل.. لقد دمر منه جزء يتجاوز الست أمتار، ولن يتمكن من القفز المباشر.. لذا اندفع بمحاذاة الجدار الصخري، و حينما وصل الحافة قفز راكضا بشكل أفقي فوق الجدار مصارعا الجاذبية بشكل مبهر.. و بالكاد استطاع الوصول بصعوبة إلى الطرف المقابل من الشريط المتهدم.. واندفع يركض من جديد..

لقد انتهى مفعول قدرة تبطيء الزمن.. (الداهاكا) يقترب من جديد، و خزان الكرات السحرية قد فرغ..

لا وقت للالتفات إلى الوراء.. فحينما يظهر (الداهاكا) يبقى النشاط الوحيد المسموح به هو الركض..

الطريق مسدود هذه المرة بجدار صخري مقابل.. سيصل الأمير إلى الركن بعد لحظات.. وعليه هذه المرة أن يجد الوسيلة للوصول إلى الضفة المقابلة عبر الهوة السوداء.. لم تكن المسألة هذه المرة مسألة أمتار، بل العشرات منها..

لفتت انتباه الأمير سلسلة أنابيب معدنية بارزة من الحائط المقابل من النوع الذي تعلق فيه الرايات.. و كانت ترسم طريقا نحو الضفة المقابلة.. عليه فقط أن يتحول ببساطة إلى قرد..

إن السبيل الوحيد للوصول إلى أول أنبوب هو الاعتماد على الجدار المقابل له.. لذا اندفع الأمير نحو الجدار مباشرة، وقفز ليقوم بأربع خطوات عمودية عليه، قبل أن يثني ركبتيه مستندا عليه، ثم يفردهما مجددا مستغلا ردة فعل الجدار ليقوم بقفزة جبارة، و يصل الأنبوب..

لا وقت لالتقاط الأنفاس.. تأرجح قليلا على الأنبوب و هو متعلق إليه بقبضتين من حديد، ثم قام بدورة كاملة كلاعب جمباز محترف ليحصل على قوة دفع ملائمة، وأفلت قبضتيه مندفعا نحو الأنبوب الموالي.. واستمر بنفس الطريقة حتى وصل إلى الضفة المقابلة..

تظن أن (الداهاكا) توقفه الهوة الضخمة؟ تكون مغفلا لو اعتمدت على ذلك..
هو لا يتمتع بلياقة بدنية كلياقة الأمير.. لن يفز بحركات بهلوانية.. لكنك دوما ستجده خلفك طالما كان يطاردك..
لا وقت للتساؤل عن الأسباب ومناقشة الإمكانيات إذن.. إنه الفرار المتواصل من جديد..

في هذه المرة، يقترب الأمير من بوابة الرمال الزمنية.. عليه أن يعبر مدخلا صغيرا ستارته حاجز مائي رقيق اخترقه الأمير بسرعة.. و اندفعت وراءه الأذرع الأخطبوطية.. لكنها توقف بمجرد لمس الستارة المائية.. أبخرة خانقة تصدر منها مصحوبة بصرخة ألم من (الداهاكا) الذي سحب كل أذرعه حانقا..

هنالك شيء يحد من قدراته إذن.. هناك شيء يؤلمه.. الماء عدوه الأول.. رائع!

عب الأمير الهواء بجرعات كبيرة، و اتجه نحو حوض المياه الجانبي ليجرع ما استطاع..

وفجأة، و الأمير يشرب، ظهرت نافذة عليها عبارات:

Save game ?

Yes

No

كل الوصف السابق مقتبس من لعبة « Prince of Persia (warrior withing) »

حفظ خيري اللعبة، و نزع عن رأسه خوذة اللعب السوداء المتطورة.. فرك عينيه حتى كاد يفقؤهما، ونفض رأسه محاولا إزالة تأثير الانبهار باللعبة..
كم هي رائعة هذه التكنولوجيا الجديدة.. لقد مضى عهد الخوذة ذات المجسات التي تحتاج إلى حركة مواكبة.. نحن الآن في عصر القوة العقلية التي تحرك كل شيء.. بل إن النظام يقنعك تماما بأنك تتحرك و تتألم أيضا.. تختلف درجة الألم بالتأكيد عن الألم الحقيقي، لكنها كافية لجعلك تحاول تفاديها ما أمكن.. و هنا تكمن روعة اللعبة..

- “(خيري)! الإفطار جاهز..”
كان هذا صوت والدته ينفجر كالعادة من الطابق السفلي ككل صباح.. غنها تملك مدفعا لا حنجرة..
اختطف سترته المدرسية السوداء، و لملم أوراقا مبعثرة فوق مكتبه داخل حقيبة بنية.. ثم ركض نحو السلالم.. كان يكره الطرق التقليدية، لذا امتطى الحاجز الخشبي للسلالم و تزحلق فوقه مطلقا صرخة مرحة على غرار رعاة البقر الأمريكيين:
-”ياهوووووووووووه!!”

تفرقع صوت أمه الحانق من جديد:
- “(خيري)!!.. ستتهشم عظامك يوما.. صدقني!”

ابتسم الفتى و قال متهكما:
-”بالتأكيد..”
-”ابتلع لسانك و أفطر بسرعة لتلحق بدروسك قبل أن أتكفل بتهشيم عظامك بنفسي!”

أطلق (خيري) ضحكة مكتومة و غمغم:
- ” أريد فقط أن أفهم كيف تزوج أبي بكل هدوئه هذا الإعصار المدمر الغاضب دائما و الذي يدعى امي!”

سكن البيت فجأة بعد عبارته الأخيرة.. أرهف السمع بحذر، فخيل إيه انه يسمع صوت شيء يحترق..
صوت خطوات راكضة من قلب جهنم، ثم ظهور خرافي لجسد والدته المشتعل في رواق المنزل وهي تطير تقريبا باتجاهه، و في عينيها التمعت نظرة حمراء غاضبة..

اختطف شطيرة جبن ومربى من فوق المائدة، واندفع يفتح البوابة الخشبية الكبيرة، قبل أن يطلق ساقيه للريح عبر الحديقة المنزلية الشاسعة.. كانت البوابة الحديدية الكبيرة مغلقة، ولم يكن ليتمكن من فتحها قبل أن تطبق أمه على رقبته.. لذا اتجه نحو السور العالي، وقفز نحوه بكل قوته.. استطاع أن يقم بثلاث خطوات عمودية أوصلته يديه إلى القمة، فتعلق بها ودفع جسده نحوا الأعلى، ثم قفز إلى الناحية المقابلة..
توقف ليلتقط أنفاسه المنبهرة للحظة، وتطلع إلى علو السور برعب، ثم ما لبث أن صرخ بنشوة.. لطالما راقته هذه الحركة في لعبة أمير الفرس، لكنه لم يظن قط أنها بهذه السهولة..

وانطلق يطوي الطريق خلفه..

* * *

- ” توقف عن البصاق في قفاي يا (تونو)! “
- ” أنا لم أبصق في قفاك.. لقد عطست فقط.. “
- ” إذن فأنت أول إنسان يمارس العطس من بلعومه.. “
- ” وهل هناك أحد لا يفعل يا (شيكي)؟ “
- ” كل الفيلة لا تفعل يا (تونو).. لكنك كسرت هذه القاعدة على ما يبدو.. “
- ” بالتأكيد.. هذا لأنني… مهلا!! ماذا تعني هنا؟ هل تلمح إلى أنني بدين كالفيل؟ “
- ” أنا لا ألمح.. أنا أجزم! “
- ” سأحطم عظمتاك اللتان تفخر بكونهما جسدا.. “
- ” و أنا سأفرغ جسدك المنتفخ من الهواء بشكة دبوس.. “
- ” ماذا يجري هنا؟ “
التفت الفتيان إلى صاحب العبارة التي ظهر على بوابة الفصل في اللحظة التي أطبق فيها كل منهما على ياقة الآخر.. فقال (شيكي) البدين:
- ” من هذا المغفل؟ “
أرخى (تونو) ياقة صديقه، و ألقى نظرة جذلة على الرجل قبل أ يهتف:
- ” يبدو أنه المدرس الجديد.. “
تراجع (شيكي) ليجلس في مقعده قائلا:
- ” وهل يعطه هذا الحق بالتدخل فيما لا يعنيه؟ “
استرخى (تونو) فوق مقعده بدوره وهو يجيب:
- ” بالتأكيد.. هذا من حقه.. “
ثم وسع ابتسامته بشكل مبالغ به حتى حاكى وجه (ماك دونالدز) وهو يضيف:
- ” مؤقتا.. “

كانت الجلبة لا تزال تجتاح جوانب الفصل رغم أن المدرس الجديد كان قد دخل بالفعل و بدأ يرتب أدواته..
طرق في البداية بظهر أصبعه على سطح المكتب..
- ” بلابلابلابلا…”
طرق بقبضته..
لا استجابة سوى:
- “بلابلابلابلا…”
زاد من قوة الطرق..
- ” بلابلابلابلا … “
ارتفعت درجة احمرار وجهه. فرد راحته وضرب السبورة بكل قوته..
صمت..
وجوه تحدق فيه بملامح حملت قدرا من اللامبالاة يكفي لاستفزاز شعب من المدرسين..
ثم..
- ” بلابلابلابلا… “
عاد الجميع للبلبلة كأن شيئا لم يكن..
هنا وصلت درجة احتمال المدرس إلى الصقيع فانفجر:
-” اصمتوا أيها الأوغااااااد!!! “

هنا انقسم المشهد إلى ثلاث لقطات: منظر المدرس يلهث من فرط العصبية وهو يلعن في سره هؤلاء الشياطين الذين استفزوه لينطق عبارة غير تربوية كهذه.. ثم مشهد الشياطين أنفسهم وهم يحدقون بذهول في هذا المدرس الذي جرؤ على اللعب في عداد عمره.. و أخيرا، مشهد (خيري) المتأخر وهو يفتح باب الفصل ليفاجأ بالموقف السابق..

أراد (خيري) أن يعود أدراجه لكن المدرس صرخ فيه:
- ” أنت! تعال هنا! “
تطلع الفتى حوله فلم يجد (أنت) آخر غيره.. فأشار بأصبع متسائل نحو نفسه..
- ” أجل أنت! “
تنحنح (خيري) وهو يقول:
- ” آسف.. يبدو أنني أخطأت الفصل.. “

هتفت فتاة من مؤخرة الفصل:
- “مرحبا (كايري)!! “

قد ينتبه أقوياء الملاحظة منكم إلى الشبه الشديد بين (كايري) و (خيري).. الحقيقة أنهما اسمان لنفس الشخص..(كايري) اسم ياباني و ليس مجرد تحوير لاسم (خيري) العربي.. ربما لها السبب اتفق أبوه الياباني و أمه اللبنانية على اسم مزدوج كهذا..
ابتسم (خيري)، وفي قول آخر (كايري)، بارتياح وهو يرفع يده ليرد التحية.. ثم أدار بصره في الفصل قبل أن يهتف:
- ” هذا فصلي بالتأكيد ما لم يبدؤوا باستنساخ البشر على نطاق واسع مؤخرا.. “
ثم أشار إلى المدرس بإبهامه وهو يضيف:
- ” ما مشكلة هذا المغفل إذن؟ “
واستدار متجها إلى مكانه، إلا أن يدا غليظة أطبقت على قفاه، و أحس بجسده يرتفع بضع سنتيمترات عن الأرض قبل أن تطالعه عينان قدتا في سقر..

* * *

كان مدير المدرسة الإعدادية الخاصة، السيد (فوجي موتارا) يقوم بجولة تفقدية، فخطر بباله أن يلقي نظرة عابرة على المدرس الجديد الذي ورطه مرغما في تدريس الفصل الكارثة..
توجس شرا وهو يقترب من بوابة الفصل الذي تم عزله عن بقية الفصول لأسباب خاصة.. فغمغم:
- ” يبدو أنه كان علي تحذير (أوزوماكي) كي يستعد نفسيا على الأقل.. “
كان الهدوء يسود المكان رغم انه وصل تقريبا إلى باب الفصل، فمد يدا مترددة كي يقرع الباب.. وقبل أن يتمكن من ذلك اخترقت مجموعة من السكاكين و السواطير خشب الباب من الداخل، وبدت أنصالها تطل من الخارج بتشكيلة هندسية مرعبة..

منع المدير قلبه من القفز من فمه، ومد يده بسرعة ليدير مقبض الباب و يفتحه ملقيا نظرة خاطفة داخل الفصل، وتراجع ليحتمي بالجدار.. و لما لم ير خطرا عاد ليطل من جديد فكان كل شيء على ما يرام.. التلاميذ في أماكنهم يتطلعون إليه بهدوء بريء و كأن شيئا لم يكن.. لكن تفصيلة صغيرة كانت تنقص المكان.. تفصيلة قفزت إلى لسانه على هيئة سؤال:
- ” أين السيد (أوزوماكي)؟ “
ابتسم (تونو) ببراءة وقال:
- ” تقصد المدرس الجديد؟ “
أومأ المدير برأسه إيجابا فأشار الفتى إلى الباب.. التفت المدير ليجد المدرس الشاب معلقا من ملابسها بالسكاكين و السواطير التي لم يخترق احدها جسده لحسن الحظ.. فابتلع غصة كبيرة كادت تخنقه، وخلص المدرس الذي لم يصب بأذى جسدي على الأقل، لكن الأذى النفسي كان يصرخ من عينيه الزائغتين..
جره المدير تقريبا إلى خارج الفصل، و أغلق الباب الذي لم يعد كذلك.. ثم..
- ” إنهم سفاحون! “
كانت صرخة أخيرة من حنجرة المدرس المتحشرجة.. فربت المدير على كتف بتعاطف، وقال:
- ” ماذا حدث بالضبط؟ “
ارتجف المدرس الشاب الذي لم يعد كذلك بعد أن ابيضت بعض خصلات شعره من شدة الهول.. وبدا انه يجاهد لاعتصار الكلمات:
- ” أردت أن أذبح لهم القط من اليوم الأول فكادوا يذبحونني شخصيا.. “
ثم ألقى نظرة على الأنصال البارزة، وابتلع حلقومه بدل الغصة على سبيل التغيير، و أضاف
- ” أمسكت بتلابيب أحدهم في محاولة لإرهابه بعد أن نعتني بالمغفل، فإذا به يرفع قدميه ليدفع بهما صدري و يستغل ردة الفعل كي يقفز فوق رأسي بحركة عمودي دون أن يتخلى عن ياقتي.. ثم استقر ورائي ثانيا ذراعي نحو الخلف بعد أن كنت أنا من يمسك به.. وبعدها شعرت بقدمه تستند على ظهري، وفوجئت بنفسي أرتفع في الهواء و يلقى بي على السبورة.. “
رفع المدير يده في إشارة بالتوقف وهو يهتف:
- “أمتأكد أنت أنك تتحدث عن تلميذ في هذا الفصل؟ أكبر فتى هنا لا يتجاوز الرابعة عشر من عمره.. أنت الآن تصف الرجل العنكبوت بدون شك.. “
- ” أؤكد لك يا سيدي أن هذا ما حصل “
ثم استند إلى الجدار في انهيار وهو يضيف:
- ” و ما إن نهضت من السقطة حتى وجدت هذه التشكيلة من السكاكين تندفع نحوي لتصنع بي ما رأيت..”

ربت المدير على كتفه مجددا وهو يقول:
- ” لا عليك.. ستعتاد على المر سريعا..”
تكونت فوالق جيولوجية فوق وجه المدرس من فرط الرعب.. وصرخ غير مصدق:
- ” مستحيل! لن أضع قدما، أصبعا، بل ذرة واحدة من ذراتي في هذا الفصل من جديد.. “
نفض المدير عنه قناع اللطف فجأة وهو يجيب محتدا:
- ” إذن فلن تقبض راتبا، علاوة، بل ينا واحدا من هذه المدرسة.. و لا تعول على العمل بمدرسة أخرى لأنني لن أسمح بذلك.. فعلاقاتي أوسع مما تتصور..”
وخفف من حدة صوته مع انهيار الشاب، وعاد ينتقي قناعا جديدة من مجموعته ليقول:
- ” اسمع يا بني.. هذه مدرسة خاصة.. و آباء تلاميذ هذا الفصل بالذات يملكون أغلبية رأس مالها.. لذا لا نملك فعل شيء.. خصوصا و أنهم يبدون في غاية اللطف حينما يكونون مراقبين.. و الحقيقة انك الشخص الوحيد الذي تعاملوا معه بهذه الطريقة..”

ثم تنحنح وهو يضيف :
- ” من أول حصة..”

كاد المدرس يبكي وهو يقول:
- ” ومتى يذبحونهم؟ “

أطلق المدير ضحكة مفتعلة وهو يقول:
- ” لا لا لا.. لا يوجد ذبح هنا..”
- ” يا سلام!! و ماذا عن كل هذه السكاكين والسواطير..؟”
- ” هذا مجرد مزاح بريء يا بني.. حاول أن تتكيف معهم فقط ..

* * *

المخرج الخلفي لمصنع إليكترونيات عريق..

هدوء يسود الجنبات..
يمتزج بظلام هشمه ضوء مصباح خافت..
وفي النهاية، أتت شاحنة نقل متوسطة الحجم لتهشم السكون بدوره..

أطلت الوجوه الصارمة من وراء مصراعي صندوق الشحن، لتستقبل ملامح التوتر التي طبعت ثلاثة رجال ينتظرونهم.

- ” هل البضاعة جاهزة؟ “
نطقها أحد الواصلين، فهتف رجل من المنتظرين بنبرات متمترة وهو لايكف عن مسح نظاراته:
-” بالتأكيد.. كل الأجهزة في هذه الصناديق.. فقط، أسرعوا بالشحن! “
بدأت عملية الشحن، وبدا ذو النظارات وكأنه قد وضع أعصابه فوق مقلاة زيت ساخنة، فلم تكف مقلتاه عن التقلب في محجريهما.
ومع وصول آخر صندوق إلى الشاحنة، انعقد حاجبا السائق فصرخ:
-” هناك ثلاثة أرقام تسلسلية غير مطابقة.. ثم إنه من الواضح أن الخوذات التي تحملها مجرد خوذات لعب عادية. “
كان ذلك الزر الذي فجر أعصاب ذي النظارات:
- ” مستحيييييييييل!!! “
هتف السائق حانقا:
-” يمكنك أن تراجعها بنفسك.. فأمر ال… “
قاطعه بعصبية:
- ” ولكن هذا يعني أن … أن… “
أكمل السائق:
-” هذا لا يعني سوى احتمالين: أنكم تتلاعبون بنا، أو أن خطأ ما قد حدث. حسنا.. لا يمكننا المكوث هنا أكثر من هذا حسب أوامر الجنرال، لذا عليكم حل المشكلة بأنفسكم.. بضاعة الجنرال يجب أن تصل إليه كاملة مكمولة حسب الاتفاق! “

تطلع ذو النظارات بنظرة رعب إلى الشاحنة التي ابتعدت.. وحينما أفاق من شبه الغيبوبة التي اعترته، اختطف هاتفه الجوال بأصابع مرتجفة، وضغط زرا معينا، ثم انتظر أن يصله صوت المتلقي قبل أن يقول:
-” لؤي! ما أخبار دفعة ألعاب الخوذات الجديدة؟ “
استحال وجهه ليمونة صفراء ممتقعة، فأقفل الخط وهو لاينبس. سأله أحد رجاله بحذر:
-” ما الأمر سيدي؟ “
انهار ذو النظارات وهو يغمغم:
-” لقد تم تسويق المنتوج بأكمله.. كل خوذات اللعب بيعت في الساعة الأولى من عرضها.. إنها مصيبة! كارثة!! “

وحلقت أفكاره بعيدا وهو يتصور كم المشاكل التي ستحدث بسبب هذه الخوذات.. بل و الأكثر من ذلك، كيف سيتصرف من اشتروها؟
وبقيت أفكاره تسبح محلقة مع التساؤل بدون هدف..

نهاية الحلقة الأولى

بقلم: عصام إزيمي

عن: رواق الأدب

أمير الفرس: تقديم..

25 يناير 2006

ما قبل المقدمة

(أوكاياسو خيري)..
نصف عربي.. نصف ياباني..
فتى في الرابعة عشر من عمره يكتشف فجأة انه مميز..
مميز إلى حد لا يطاق..
فتى يجد نفسه في عالم لم يحلم به من قبل..

عالم يحمل الإثارة..
الكثير منها..
عالم يغوص في الأكشن..
المبهر منها..
عالم بهجته الكوميديا..
الممتع منها..

عالم يحمل معالم المانجا الرائعة..
و لكن، هذه المرة، بعيون عربية..

بقلم: عصام إزيمي

عن: رواق الأدب

الحلقة الأولى: أوكاياسو خيري

ما قبل المقدمة..

25 يناير 2006

هذا مسلسل مكتوب طبعا..
ربما هو تصور لأنيمي أتمنى مستقبلا أن أستطيع تحقيقه لو أتيحت لي الإمكانيات..
إن ثقافة الأنيمي انتشرت بشكر سرطاني بالغرب.. لدى الكبار قبل الصغار..
هناك العديد من الذين يتصورون أن الأنيمي موجه للصغار بالضرورة.. وهذا تصور خاطئ بشكل كبير..
لقد أصبحت ثقافة الأنيمي تعوض الثقافة السينيمائية وتنافسها، وذلك عبر موضوعات تناسب الكبار قبل الصغار في الكثير من الأحيان.. فبدل أن تكون عبارة عن أفلام أو مسلسلات تتقيد بقيود السينما، فهي تتحول إلى أنيمي..

هناك المزيد من المغرمين بالأنيمي كل يوم بالمغرب، وقد بدأت هذه الثقافة تنتشر كثيرا لدى الطلبة بالخصوص بعد توفر التحميل عبر الأنترنت.. لذا أتت هذه السلسلة!! لإرضاء جميع الأذواق..
و لإرضائي شخصيا !!

جميع الحقوق محفوظة لموقع رواق الأدب الذي احتضن السلسلة وغيرها منذ البداية، وهو موقع أدبي متميز أدعو الجميع للاطلاع عليه..

أمير الفرس: تقديم..

لم أعد أجد العنوان

8 يناير 2006

وسط حملة تنظيف الغبار وجدت شيئا ما.. ربما أمكننا بشيء من العسر تسمتيه قصة قصيرة..
هذه فقط عينة من النوع الذي كنت أكتبه من القصص القصيرة قبل خمس سنوات حين كنت أبحث عن النهايات الغريبة..
الآن.. وبعد كل ما رأيت وقرأت، بدأت اكتشف أن نهاياتي حينها لم تكن مبتكرة للغاية كما كنت أظن :)

—————————————————————————————————————

تيت!! تيت!! تيييييييييييييييييييييت!!!
***
تضغط القدم على الدواسة.. تئن العجلات من شدة احتكاكها بالأرض.. و تنطلق..
عشرات السيارات تحوم حواليك مواكبة سرعتك..

***
خمسون كيلومترا في الساعة..

***
كل شيء على ما يرام..
تراقب الآخرين بعين خبيرة و ثقتك تزداد بازدياد السرعة..

***
تسعون كيلومترا في الساعة..

***

تنفسك طبيعي.. أعصابك باردة.. و تحكمك حديدي..
السيارات من حولك تبدأ بالتراجع..
إن محركك قوي بالفعل..

***
مائة و خمسون كيلومترا في الساعة..

***

تبدأ مشاعرك في التجرد مما حولها..
المسار.. السيارات.. المسار.. السيارات..
المرتبة الأولى..
الكأس..
لا شيء يهم بعدها..

***
مائتا كيلومتر في الساعة..

***

السرعة المشؤومة تقترب..
أنفاسك تتلاحق..
دقات قلبك تتسارع..
اضبط نفسك..
المسار.. السيارات.. المسار .. السيارات..
لا شيء بعد ذلك..

***
مائتان و أربعون كيلومترا في الساعة..

***

هذل هذه أصابعك التي ترتعد؟ أم أنه اهتزاز المقود الطبيعي؟
لو اهتزت المقود إذن فلماذا ترتجف شفتاك؟
ستظهر الآن..
أنت متأكد من ذلك..
إنها تفعل ذلك دوما..

***

مئاتان و سبعون كيلومترا في الساعة..

***

ها هي ذي أمامك تبدو من بعيد..
تحدق بك بعينين فيروزيتين كالزجاج..
لا بد و أنك ستصدمها حتما بهذه السرعة..
تضغط الفرامل بحركات متتالية سريعة كي لا تنقلب بك السيارة..
تهتز مشاعرك و تدمع عينيك و أنت تتصور الجثة تطير ممزقة كالعادة..
ذلك المشهد الذي طالما مزق هناء حياتك..

***
المسار.. السيارات.. الفتاة..السيارات.. المسار.. الفتاة..

***

لقد توقفت السيارة أخيرا..
ربما أسرع من اللازم بالنسبة لسيارة تسير بتلك السرعة..
لقد اختفت ذات العينين الزجاجتين..
لكنك متأكد من أنك لم تصدمها..
ثم انطلقت صيحة الظفر من حلقك..
تطلعت بابتسامة تهكمية إلى العداد الذي ألصقت به ترقيما خرافيا جديدا..
أزلت اللصقة ليظهر من خلفها العداد الحقيقي و الذي لا تتجاوز سرعته مائة كيلومتر في الساعة..
تنزل من سيارتك العتيقة و أنت سعيد بأدائك الرائع هذه المرة..
أجل.. أنت تصلح لذلك الدور بالتأكيد..
هذا ما ستثبته لهم في ساحة التصوير بعد طول غياب..
غياب نجم..

رجولة مبكرة.. عنوسة متأخرة! (قصة قصيرة ساخرة)

4 يناير 2006

حين يقرر صبي ما في بداية المراهقة أنه قد آن الأوان ليصبح رجلا، فتلك هي الكارثة التي ستحل على رأس أخته الشابة بالتأكيد. معلومة تقنية تأكدت منها تماما بعد أن بدأ ذلك الزغب الطري القصير يكسو شفتي حسن، أخي الصغير، و بدأ صوته يكتسب حشرجة محرك سيارة قديم توطئة ليتحول إلى صوت غوريلا إفريقية كما جرت العادة دوما. لقد أصبحت حياتي فجأة عبارة عن محاولات بائسة للتخلص من الملاحقات البوليسية التي يفرضها علي الوغد الصغير كأنني سر قومي وجب الحفاظ عليه. المشكلة هي أن هذا (المفعوص) يشاهد العديد من الأفلام البوليسية الرخيصة التي لا نفع لها سوى أن تزيد حياتي تعقيدا و تلهمه أكثر تقنيات التجسس سخافة: إن الفتى الذي يلقي بنفسه في أول سيارة أجرة لتتبع أخته التي ركبت سيارة أخرى قبله، ثم يكتشف بعد ذلك أن لا نقود بحوزته يدفع بها ثمن المشوار، لهو في مشكلة حقيقية.. و حينما يأتي به شرطي بقفاه إلى البيت ليسمع أبي كلمات سخيفة عن الفتى الذي لم يربى بعد، والذي سيتكفل السجن بتربيته يوما، ما لم يتم الاهتمام بسلوكياته أكثر، حينها فقط يمكنك أن تفهم حجم المشكلة..

طبعا سيتلقى الشيطان الصغير علقة ساخنة، و هو يحاول أن يقول شيئا عن الفتاة التي لم تلق تربية كافية، و تتجرأ –تصوروا –على ركوب التاكسي وحيدة مع السائق الذي هو بالمصادفة وحش آدمي. إلا أن أذني أبي لم تكن حينها تنصت سوى لبقايا عبارات الشرطي الجارحة عن فشله في تربية ابنه. إن أبي يتحول إلى وحش كاسر في هذه الحالات بالفعل، وقد احتاجت أمي إلى ما هو أكثر من التوسل والتهديد كي توقف عملية إعادة تلوين الجلد التي كان يمارسها على الفتى.

كان عقابا أشد قسوة مما يجب بالفعل. فالصبي كان مشدودا فقط بالحركات السينمائية الدرامية و لم يقدر العواقب فقط. إلا أن هذه الشدة أرضتني نوعا. على الأقل سيشفيه هذا العقاب من مرض الرجولة المبكرة و الخوف الهستيري على شرف العائلة الذي و لابد لفتاة، كما يعتقد، أن تدنسه.

إلا أن المسلسل العربي لم ينته بعد للأسف. ويبدو أن (العلقة) كان لها تأثير المنشطات على نشاطات الفتى. فقد أصبحت أشاهد قفاه في كل مرة ألتفت فيها إلى الخلف في شارع ما. المشكلة انه ينفي ذلك دوما حينما أشكوه في البيت و كأنه يتصور أنني لن أتعرفه لمجرد أنه يلتفت متظاهرا بالمشي في الاتجاه المقابل كلما فاجأته بنظرة خلفية.. إما أن هذا القرد الصغير يظن أنني أضعف بصرا من بقرة حلوب لمجرد أنني أضع نظارات، أو أنه - وهذا هو الأرجح- يتمتع بعبقرية غباء غير محدودة. و هذا ما أكدته لي آخر تجربة لي معه حينما التفتت بسرعة كبيرة لم تسمح له بالاختباء، و ما كان منه إلا أن أغمض عينيه كي لا يراني متصورا أنني لن أراه أيضا.

وفي يوم من الأيام دخل حسن على والدي وهو يحاول أن يرسم على ملامحه خطورة الدنيا والآخرة، وكدت أرى لوزتيه و هو يصرخ أنني عديمة التربية و أنه رآني مع رجل في الحي أبتسم له في حياء. فما كان من أبي إلا أن مارس لعبة قلب السحنة التي يتقنها بشدة. و التفت ناحيتي و الشرر يقدح من عينيه قبل منخريه.. و لما أبديت استنكاري الشديد وأنكرت كل ما قيل التفت إلى الصبي يسأله عن التفاصيل. فأخبره الفتى بأن الحكاية حدثت أمس على السادسة مساء.. حينها كدت أفقد أعصابي وأتحول إلى سفاحة.. ففي الوقت الذي يتحدث عنه كان الشخص الذي يقف معي هو حسن نفسه ببساطة شديدة.. والفضيحة العظمى هي أنه أجاب بعد أن رميت بدفاعي قائلا: ” وماذا في ذلك؟ أو لست رجلا أيضا؟”. يومها تيقنت أن الصبي مجنون تماما وأنه كارثة قومية وجب التخلص منها صونا لمستقبل المجتمع المدني..

لقد طفح الكيل، و لم تعد لدي أعصاب تتحمل.. أصبحت أرى حسن في كل مكان.. حينما أتطلع إلى المزهرية أرى رأسه يبرز من بين الزهور.. حينما أفتح الصنبور أرى مخاطه يسيل بدل الماء، و أرى الصنبور بأكمله قد تحول إلى تشكيل أشبه بأنف القرد خاصته.. حينما يلتفت المحاضر ليكتب شيئا على اللوح أرى المصيبة الصغيرة يمسك بقفا بذلة الدكتور بيد واحدة، ويتدلى إلى الأمام و قدميه مثبتتان على ظهر الرجل بأسلوب طرزاني شهير.. خلاصة الأمر، لقد بدأت أصاب (بحسنوفوبيا) أو جنون اضطهادي انعزالي، أو أي اسم من تلك الأسماء العجيبة التي يغرم بها علماء النفس المخبولين. ولم يكن هناك بد من وضع حل لهذه المعضلة.

كانت الحلول المطروحة من شاكلة الدفع من عل، أو القتل بالسم، أو بمسدس كاتم للصوت والصورة.. وكان الحل الأكثر إغراء و الأقل تكلفة هو خنق أنفاس الفتى بمخدته و هو نائم.. إلا أنني أحجمت عن هذه الأفكار لأسباب أخلاقية واقتصادية واجتماعية لا تخفى على أحد. لكن الفرج أتى أخيرا في شخص ذلك الفتى الخجول الودود، الملقب بالمعلم فتحي، الذي طالما رمقني من بعيد كلما خرجت أو دخلت إلى البيت.. لم يحاول أن يحاول أن يكلمني يوما.. كانت نظراته فقط تقول كل شيء دون أن يحتاج لنطقه. لحسن حظي أنه من عائلة محترمة لا بأس بنفوذها المادي. نفوذ من النوع الذي تشم رائحته في اللحم الطازج الذي تعج به محلات الجزارة التابعة لهم، والمواجهة لبوابة بيتنا. هذا ييسر كل المعوقات للوصول إلى رضا والدي طبعا.. ولحسن حظ الفتى أن الصبي المفعوص لم يلاحظ يوما نظرات الإعجاب تلك، و إلا لكانت زيارة والديه اليوم إلى بيتنا لطلب يدي ستتحول إلى زيارة إلى مستشفى المجانين حيث كان سيضمن إقامة مجانية مريحة لمدة طويلة.

كان يوما عالميا في بيتنا. العريس المنتظر سيحضر اليوم. والخوف كل الخوف من حسن وما يمكن أن يسببه من مشاكل تتنوع بتنوع عدد شعيرات شاربه. لذا فما كان من والدتي إلا أن أعطته بضع دراهم كي يذهب ويحيل حياة صاحب إحدى صالات اللعب إلى جحيم كالعادة. إلا أن الوغد الصغير فاجأنا و هو يطرق الباب متقدما العريس المنتظر وأهله، و على شفتيه أشنع ابتسامة ود يمكن رؤيتها. وكادت والدتي يغمى عليها و هي تتخيل عدد الفضائح التي خرجت من فيه القرد الصغير في الدقائق التي قضاها من أهل العريس. أما والدي فما كان منه إلا أن دعا أهل العريس للدخول وهو يحلف أغلظ الأيمان في سره أنه و لا بد فاتك بالصبي لو سبب أية مشاكل.

و لم يخب ظن الاثنين. فما أن بدأ الحديث حتى سأل أهل العريس عن مصير الخطيب السابق الذي هو بالمصادفة سائق التاكسي الذي أقلني حينما تبعني حسن. فأسرع يهتف أن لا وجود لخطيب سابق و لا سائق تاكسي ولا عربة خيول حتى.. و لكن عدم الاقتناع بدا على محياهم جليا واضحا.. فعقلهم لم يتصور وجود عقلية ابتكار فذة كهذه لدى صبي في مثل عمر حسن. لذا فقد افترضوا سوء النية من البداية و ساءتهم محاولة مداراتنا للحقائق التي لا يستطيع الصغار إخفاءها، و خصوصا أن القرد الصغير أخبرهم بأن والدته لا تريد منه أن يحضر اللقاء، و أعطته نقودا لذلك.. فماذا سيظنون في فتاة كهذه بعد كل هذا؟

و هكذا ترون أن حلم العمر الفتى الودود (سي فتحي) قد طار و طارت معه أحلام الزواج إلى غير رجعة بسبب مفعوص صغير لم يعد كذلك بعد أن حوله أبي إلى خردة تصلح للبيع كقطع غيار آدمية..

آه.. نسيت أن أخبركم شيئا في البداية.. أنا نادية.. فتاة ملفوفة القوام، عمرها أربعون سنة فقط و مثقفة حيث أنها تتم دراستها بالجامعة.. و والله بنت حلال.. و حتى أخي سأرميه من الشباك بمجرد أن يقترب أحدكم من بوابة البيت.. انووا انتم فقط و توكلوا على الله..

لمحة من عذاب..

27 ديسمبر 2005

نادرة هي القصص القصيرة التي كتبتها.. ربما لأنني ثرثار كبير يميل إلى التطويل والطابع الروائي، وهو الشيء الذي لا تتيحه القصص القصيرة التي تحتاج إلى تكثيف بالأسلوب والمعنى..
فقط تبقى هذه القصة من العمال الأثيرة لدي.. الأثيرة جدا
!!

———————————————————————

عجبت لما يدعوني للكتابة بكل هذا الحماس، و أنا لم أجاوز بعد صدمة فشلي الأسبق.
“لست بالاحترافية المطلوبة”؛ قالها وسط نظرات لا مبالية حفرت أخاديد الخيبة في جدران طموحاتي..
أدركت حينها أنه لم يمسح بمقلتيه سوى النزر اليسير من العمل الذي استغرقني شهورا من المحاولة المضنية و اعتصار الأفكار و العواطف.. شهور و أنا أسكب ذاتي عبر كلمات سطرت خيوط شخصيات تتنفس بنبضات قلبي.. تشرق بضياء فرحتي.. و تغتم ببهيم اكتئابي.. أنعم به من ناشر مثقف متحضر!!
“يا أيتها السماء ارعدي.. و اقصفي بسيوفك أعماق هذا البلد الجاهل..”.. قلتها واليأس يتناول يدي متلمسا بي جدران قبو الفشل الوشيك…
من السخف أن تكتب لنفسك فقط، و لكن السخف كل السخف أن لا تكتب قط. لذا أجد نفسي من جديد أخنق عنق قلم الحبر الأثير، و أربت به على سطح الورقة العذراء.. عسى أن تملأها كلماتي نضجا.. و يملأ سوادها المحدث قلبي بحماس جديد..

* * *

إن البياض يخنق البصر على مدى الأفق. و الحيرة تسد أنفاق الأفكار..
رداء أخضر طويل يكسو الأرض حتى الأفق، و حملان تحاول أن تطاول بأنوفها السماء..
حيث الحمام يفرد أجنحته أسرابا تطغى ببياضها على زرقة السماء..
ابتسمت ساخرا.. كيف تراقب الحملان الحمام و تهفو إليه و الذئاب بجانبها تتربص حينا، و تطبق على كواحلها أحيانا.. بل و يختفي بعضها بين الفينة و الأخرى تحت غياهب الأنياب و الآخرون لا يزالون مبتسمين للحمام..
أدرت ظهري للمشهد الأزلي الساخر، و رنوت إلى ذلك المبنى المنزوي و حيدا في ركن الشارع وقد دعاني إليه سكونه..
في إحدى الغرف استقرت براءة الربيع غافية بسكينة.. طفل لم يجاوز بعد ربيع عمره الثامن مسحت ملامح براءته سموم ذكرى الذئاب.. تطلعت على جفنيه المسدلين، وتمنيت لو أوقفت الزمن فوق المشهد ما حييت.. لكنني لم أملك سوى مداعبة خديه بأشعة الشمس البكر الوليدة، دافئة متسللة من خصاص النافذة. انكشف سواد العينين الصافي عن بياضهما الناصع، و حملني سحر نقاوتهما أميالا جاوزت كل كرب الدنيا وتعاستها…
تدفق الحبر من جديد، فاخترقت امرأة جزعى الغرفة. و لم تمهل الصغير فرصة الاحتجاج أو الصراخ، بل اختطفته من فراشه و هي تثبت خمارها فوق خصلات شعرها المتناثرة. انفتحت البوابة بعنف مزق صفحة الهدوء الذي لف المكان منذ لحظات.. و فتح الصبي عينيه الناعستين على أجساد ضخمة ببذلها الخضراء و أسلحتها السوداء، و صوت أحدهم يجلجل في أذنيه..
كان هناك الكثير من الصراخ و العويل من طرف المرأة، لكن الجندي لم يمهلها، و رمى بها و بحملها خارج البيت وسط دموع أغرقت وجنتيها و قلبها معا..
لم يفهم الصبي قط.. قالت له أمه ذات يوم أنهم يستولون على الأراضي.. أنهم يهتكون الأعراض.. أنهم يسلبون البيوت. و لم يفهم حينها ما تعنيه.. فهل هؤلاء يدخلون في نطاق “هم” تلك؟
التقطت مقلتاه فجأة مشهد الآلة الضخمة التي بدت كوحش أسطوري، و شدت انتباهه حركة تلك الكرة الحديدية العملاقة المعلقة في مقدمتها بسلسلة فولاذية ضخمة.
ثم هزت الصفعة كيانه.. كانت أول مرة يشاهد أمه تصفع… تطلع إلى الخمار المتطاير حتى استقر أرضا، فاتجه نحوه و هو يمشي الهوينى و نحيب والدته يخترق أذنيه كآلاف القنابل التي تنفجر في ذهنه العاجز عن الفهم.
كم يفتقد أباه الآن و هو يتذكر ذلك اليوم الذي عانقه فيه بحرارة غير عادية.. و خرج و لم يعد بعدها.. أمه تقول أنه استشهد… و كلنه لم يستوعب المعنى قط. كل ما اكتشفه مع الوقت هو أن أباه لم يعد معهما، و اختفى إلى الأبد.
حمل الخمار، و دثر به شعر أمه المكشوف..
اتكأت على نصف جدار مهدم و أنا أراقب المشهد من بعيد.. و كانت الحملان قد انتبهت للمشهد بدورها.. فأطلقت ثغاء استنكار و شجب قوبل بابتسامة ذئبية واضحة الأنياب..
ابتسمت متهكما بدوري، و غضضت البصر و السمع عنها كما فعل الجنود.. وواصلت أرجحة القلم للتتواصل أرجحة الكرة الفولاذية استعدادا لتحيل البيت إلى أنقاض..
حملق الطفل فيها لوهلة.. حملق في الجنود المقيتين.. رمق الحجارة المتناثرة.. والبقية خلاصة فقدان كرامة..
عين تنزف دما أسود.. ثور هائج ذو خوار يطارد طفلا صغيرا.. يمسكه من تلابيبه و يرفعه عاليا، و يحمل خنجره ..
تشد صرخات زملائه انتباهه و دهشته.. ثم يكتشف مصيره مع صرخات الأم الملتاعة، ومع صوت الكرة الفولاذية التي وقف في مسارها عن غفلة منه.. الكتلة المدمرة على بعد سنتيمترات من الثور و الطفل في يده، و… وكف قلمي عن الكتابة ليتجمد المشهد..
تحركت في الساحة و حيدا.. و حتى الحملان كفت عن ضجيجها المستنكر كالعادة.. حملت ملامح الأم كل خلجات الفزع و اليأس.. و حملت ملامح الجنود رهبة لا تدانيها رهبة.. و انقلبت سحنة الثور لتناسب طابعه.. أشبعت رغبة التشفي الكاملة في ملامحه المرعوبة لهنيهة، ثم شدتني ملامح البراءة من جديد.. براءة لا تدري مصيرها المحتوم..
أطلقت زفرة حيرى.. هل يجوز لدماء الطهر الاختلاط بدماء الفساد؟
من المعهود في مثل هذه المواقف أن يقفز بطل ما من مكان ما لينقذ الموقف في آخر لحظة.. لكنني لم أكن من هواة الخيال العلمي للأسف.. شعرت بحرارة الأفكار تلهب ثنايا دماغي.. و صارعت الأنفاس المحمومة لتغادر سجنها الصدري. فرميت بالقلم في الهواء، و أعملت رأسي تحت صنبور المياه الباردة عساه يطفئ نار غضب مستعر.
تطلعت للقلم المتحدي من جديد.. استشعرت سخريته و هو مرمي أرضا.. إنه يهزأ من ضعفي.. و بياض الورقة يسخر من نفسه.. فحملت القلم بأصابع مرتجفة من جديد، وكتبت عبارة: تمت بحمد الله