أرشيف تصنيف 'مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية'

(سمير).. (سمير).. أشياء مشابهة..

20 مارس 2006

سابقا في مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية:
مقدمة مملة لابد منها
مسار الأف ميل:خطوة البداية (1)
مسار الألف ميل: خطوة البداية (2)
جولة سياحية معتبرة(1)
جولة سياحية معتبرة(2)
جولة سياحية معتبرة(3)
يوم أول!!

دخلنا الفصل لأول مرة.. هناك طاولات منفصلة وكراسي فردية أكثر انفصالا..
حمدا لله! إنتهى عصر المكراسي الخشبية القصيرة المزدوجة الملتصقة بالطاولات، تلك التي لا تسع لا ركبنا ولا مؤخراتنا.. كراسي تعودنا عليها منذ المدرسة الإبتدائية، مرورا بالإعدادية وانتهاء بالثانوي.. وهذه الأخيرة بالذات عرفنا فيها أحد أهم أضرار النمو الجسماني.. لقد اعتبرنا هذه الكراسي دوما إحدى الطقوس التربوية التي لا يمكن الإستغناء عنها.. لذا يمكنك أن تفهم فرحتنا غير المبالغ بها، واغروراق عينينا بالدموع حينما وجدنا كراسي تحترم أجسامنا أخيرا..
كنا أربعة من الشلة إياها بنفس الفصل.. كان ذلك رائعا لاننا لم نكن بحاجة إلى الجلوس منفردين كالقردة نتطلع إلى الآخرين بترقب.. كنا قد خلقنا مجالنا بمجرد أن وضعنا أقدامنا بالفصل..
ثم…
تبا!!
ليس مجددا!
إنه هو!
أكاد أقسم على ذلك..
لكزت (عبد الله) بمرفقي، لكنه كان غارقا في الحديث مع الآخرين.. أعدت اللكزة بقوة أكبر حتى كاد مرفقي الرفيع يخترق جانبه.. هنا انتبه إلي مجبرا..
-” إنه هو..”
قلتها بنبرة يائسة..
-”من؟”
-”جهاز الراديو المتحرك..”
-”من!؟”
ألقى نظرة حيث أشرت، فحرك رأسه إيجابا وقال بنبرة من رضي بالقضاء والقدر:
-”إنه هو بالفعل..”
يقولون أن الفرنسيين أسرع وأكثر أهل الأرض حديثا.. لكن هذا الشاب، الذي سندعوه هنا (سمير) أثبت لي بما لا يدع مجالا للشك أن المغاربة يمكنهم انتزاع اللقب بسهولة..
التقيناه لأول مرة حينما أتينا لتقديم شهادة الباكالوريا في بداية الصيف.. كان وحيدا.. جالسا بجانبي و(عبد الله)، بجسده الضخم ومحفظته الجلدية الأضخم.
لست أذكر من بدأ الحديث، لكنني لن أغفر لنفسي أو لـ(عبد الله) ما حييت لو كان أحدنا من فعل.. فقد كان ذلك إيذانا ببدء قناة (سمير) الإذاعية المتحركة..
استبسلنا بتحمل الأمر ما يقارب الساعتين ريثما نتمم إجراءات التسجيل ونفر بجلودنا.. وحينما أتت لحظة الأمل بالخلاص، أطلق (سمير) آخر مدافعه المبيدة للبشر بأن أصر، وكاد يحلف أغلظ الأيمان وأرفعها، بأنه ولابد مرافق لنا في جولتنا بأكادير لهذا اليوم..
أمام شخصية كاسحة كـ(سمير)، لا يمكنك أن ترفض شيئا.. ليس لأن شخصيتك ضعيفة، أو أنك لا تملك الحزم الكافي للرفض، بل لأنه يحرمك حتى حق التفكير بأن يمتص الأوكسيجين من محيطك ويخنقك ويصيبك بصداع قاتل، تصبح معه مجبرا على الموافقة فقط كي يخرس قليلا.. لكن أملا كذلك كان بعيد المنال..
أخَذَنا في البداية إلى مقر إحدى الجمعيات ذات الأسماء مرعبة الطول من طراز: “الجمعية الرياضية الثقافية الإجتماعية لرعاية الطفولة المحرومة والرجولة المفقودة اقتصاديا وسياسيا وسوسيو ثقافيا”..
إن سمير من الجنوب.. لكن لديه معارف بالميدان الجمعوي والحزبي أينما ذهب..
أذكر من ضمن شلال المعلومات الذي سكبه في آذاننا أنه عضو ببرلمان الطفل.. كنت قد نظرت إليه حينها باستهجان وأنا أزن عرضه قبل طوله.. لو كان هذا الفتى كله طفلا، فلا بد أنه كان في جسد يافع حينما ولد مباشرة..
طبعا لم أخبره بهذه الملاحظة لأسباب يطول شرحها.. وعلى العموم هو لم يكن يعطينا فرصة للتنفس فما بالك بالحديث..
وأخيرا حدثت المعجزة وافترقنا.. ويمكنك أن تقول بضمير هانئ أننا فررنا تقريبا بعد أن ابتدعنا جميع أنواع المسببات وتذرعنا بأشنع الذرائع..
قلت لعبد الله ونحن نكمل طريقنا فوق الرمال ونستمتع بنعمة السكون:
-”هل تسمع؟”
أجابني مباشرة:
-” الطنين..”
-”هو ذاك”..
صدقوا أو لا تصدقوا.. كان هناك طنين بآذاننا يشبه تماما ذلك الذي يلي الجلوس بجوار مكبر صوت قوي في عرس من الأعراس، حيث يتمتع المغني بخرم طبلة أذنك بصوته الشجي، وأغانيه الشعبية الفذة..
تفهمون الآن سبب حالة الإحباط التي أصابتنا حينما وجدنا الفتى معنا في نفس الفصل. إن أشنع كوابيسنا كان قد تحقق أخيرا.. ظننته لن يتواجد لفترة لا بأس بها لأنه سيظطر للسفر إلى أمريكا لسبب من الأسباب الجمعوية الحزبية الخرافية تلك.. لكنني اكتشفت فيما بعد أن شلال الحديث ليس موهبته الوحيدة.. و أنه يتمتع بموهبة استعراضية فذة من طراز “انظروا إلي”..
رغم كل شيء.. ورغم عيوب الفتى الفذة، فأنا مقتنع، وربما أكون الوحيد، أن الفتى طيب القلب.. ولقد كنت أحد أصدقائه القلائل دوما.. فهل كان يعتبرني كذلك؟

* * *

دخل الأستاذ الفصل أخيرا.. وكأي أستاذ رياضيات يحترم نفسه، كان أرفع من عصى مكنسة.. ولم يكن يهتم بمظهره كثيرا، لدرجة أنه في فترة من الفترات كان يترك لحته تنموا بشكل مجعد دائري غير عادي.. ولو فصلت رأسه عن جسده حينها فستجد صعوبة بالغة لتعرف مكان شعر الرأس من شعر الذقن..
كان مدخنا حريفا..
كان قاطرة بخارية قديمة..
بل كان كبركان (كيليمانجارو) ذاته..
لم يكن يدخن النيكوتين، بل يأكله.. فلم أر بحياتي من ينهي سيجارة حتى العقب في أربع أو خمس شفطات سواه..
كلما استعصى عليه برهان ما، يخرج لدقيقتين أو ثلاث كي يمتص سيجارة، يرمي العقب من الرواق نحو ساحة بالأسفل، ويدخل ليجد الحل مباشرة.. ولكم أن تتصوروا فراش أعقاب السجائر الذي كان يكسوا المنطقة التي يرمها بها.. هذا لو تبقى منها شيء أصلا.. لو كانت الأعقاب تبتلع، لفعلها الرجل بدون تردد..

حين ننام كأجولة البطاطس

يوم أول!!

2 فبراير 2006

قد بدأت أقدامكم تتورم من طول الجولة.. أعرف ذلك.. كما بدأت أملها أنا أيضا.. والدليل أنني أتعذب لكتابة هذه الحلقة.. لذا قررت أن أنهي الجولة هنا على الرغم من أننا لم نكلمها بعد.. سأدعكم تكتشفون باقي الأمكنة رويدا رويدا..

سابقا في مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية:
مقدمة مملة لابد منها
مسار الأف ميل:خطوة البداية (1)
مسار الألف ميل: خطوة البداية (2)
جولة سياحية معتبرة(1)
جولة سياحية معتبرة(2)
جولة سياحية معتبرة(3)

انتهى جو الاستجمام الذي حظينا بها نهاية الأسبوع قبل بداية الدراسة.

إنه اليوم الأول.. كل شيء يبدو جديدا غريبا.. كأننا في أضغاث أحلام..

استيقظنا بقوة الإرادة فقط في السابعة صباحا.. هبطنا للفطور بعد التزود بالسكين الأثرية..

حقا!! لم أحدثكم عن هذا بعد..

كان لنا الحق في الحصول على غطاء من النوعية التي استعملها الجنود أيام الحرب العالمية الأولى.. ذلك النوع من الأغطية التي تقاوم البصق عليها بصعوبة، فما بالك لو أخبروك أنك ستتدثر بها. لقد أحضر كل منا أغطيته ومخدته معه، إلا اللذين كانوا يملكون تصورا ورديا عن المكان.. وهؤلاء كان سيصبح لديهم تصور أسود من البترول عن أ/راض الجلد والحساسية لو لم يسارعوا باقتناء أغطية مناسبة.

الشيء الوحيد الذي كانت تصلح له أغطية المركز هو الفرش على أرضية الغرفة، وقد كانت هذه جريمة يعاقب عليها القانون المدني في المركز -ممثلا بـ(بعبول)- بالحرمان من هذه الهبة الرائعة.. وهو الشيء الذي لم نكن نبالي به كثيرا لو لاحظتم.

كانت هناك أيضا المخدة المقرفة التي لو وضعت عليها وجهك فلن يكفيك بعدها غسل خدك بماء النار (الماء القاطع) كي تشعر بالنظافة من جديد.

ثم هنالك الإزار الأبيض الذي لم يعد كذلك، والذي ينطبق عليه نفس تأثير المخدة..

أما الهبة الفريدة التي أنعموا علينا بها، فهي شوكة وسكين من العينة التي استعملها أبرهة الحبشي قطعا في يوم من الأيام.. هل تعرفون ذلك النوع من السكاكين الذي يمكنك أن تحاول قطع شرايينك به بأقصى قدر من الأمان؟ ذلك النوع الذي يفشل في تقطيع زبدة ساخنة؟ كان هذا إحداها..

ونظير هذه الخدمات الرائعة طبعا، كانا مجبرين على دفع مائة درهم، أي ما يعادل اثنتي عشر دولارا ونصف تقريبا، ككفالة.. وهذا بغض النظر عن كوننا أخذنا هذه الأغراض أم لم نفعل.. وعند ضياع الشوكة أو السكين مثلا فيمكنك أن تقرأ سلامك للكفالة بأكملها.. أما لو تسببت بضياع شيء أكبر حجما فحينها ستدفع ثمنه زيادة على الكفالة بالعملة الصعبة طبعا..

تفهمون الآن لماذا لم نعد نأخذ السكين أو الشوكة إلى المطعم.. إنهما من النوع الأثري الذي يصعب إيجاده في السوق.. لذا لا داعي للمخاطرة.. إن اثنتا عشر دولارا تساوي خمسة كتب جيدة في نهاية السنة الدراسية..

إن المتحمسين لحمل السكاكين يدفعون ثمن ذلك غاليا في الفطور بالمطعم حينما يبدؤون بالبحث عنها بعد إقراضها مجبرين لآخرين أمثالي..

اتجهت إلى سلة الخبز، والتقطت نصف رغيف.. ثم رنوت على الطاولة المجاورة حيث وضعت مستلزمات الفطور.. وتتلخص هذه في إناء به مربى، و صحن به قطع ضخمة من الزبدة.. قطع صلبة بفعل البرودة بشكل تحتاج معه إلى شيء أكثر من الإرادة والنوايا الطيبة كي تستطيع دهن رغيفك بها.. وهذا ما يجعلك مجبرا على وضعها متقاربة فقط وسط الرغيف قبل أن تقضمها كالجبن..

أفطرت و(عبد الله) ثم عدينا إلى الغرفة.. لملمت دفترين في حقيبتي الجلدية.. ومن ثم اتجهنا مبكرين إلى الجناح الدراسي..

إن مركز الأقسام التحضيرية يقاسم مدرسة ثانوية المكان.. هذا يعني أن هناك جناح خاص بنا، وجناح خاص بطلبة الثانوي.. لكننا جميعا كن نتقاسم الساحة.. وهذا ما شكل أملا كبيرا لدى الشباب لمصادقة فتيات حقيقيات بدل المخلوقات المرعبة التي كانت تدرس معنا..

قبل أن تبدأ الفتيات بإلقاء الطماطم علي، أو تدخل إحدى المحمسات لترد علي بأنني سافل، أو أي ردة فعل مبهجة من هذا القبيل، أريد أن أنوه هنا أنني أتحدث عن رأي السواد الأعظم من الشباب في تلك الفترة..، ولا أتحدث عن رأي خاص..

أرى عيونا خبيثة، بعضها يقدح شررا، تنظر إلى شذرًا، وتسأل: ما رأيك أنت إذن؟

لن أحاول التهرب من الرد حفاظا على حياتي..

ليس لدي اعتراض حقيقة على الفتيات اللواتي كن يدرسن معنا.. بعضهن يستحق الاحترام والإعجاب معا.. لكن الشيء الوحيد الذي كنت أؤاخذه على أغلبيتهن هو أنهن لا يتبسطن في تعاملهن.. بل كن ينظرن إلينا باحتقار غير عادي.. قد أكون مخطئا أو مبالغا، لكن الغالبية كانت تعاملنا بنوع غير مفهوم من الترفع، وتواجهن أية محاولة للتقرب منهن، ولو على سبيل الزمالة، كأنها محاولة سبي.. و أنا لا أتحدث عن نفسي هنا بالمناسبة، فقد كنت سلبيا إلى درجة غير عادية خلال تلك الفترة بالذات.. لكنني كنت ملاحظا جيدا، ومتابعا خبيرا للأحداث..

وفي نفس الوقت، كانت فتيات الثانوي ينظرن إلينا كأننا مخلوقات خرافية قادمة من كوكب العلم الأوحد.. لذا كان اختيار الشباب واضحا ومبررا..

حان الوقت للدخول إلى القسم!!
لكن هذه حلقة أخرى..

تابع القراءة: سمير.. سمير.. أشياء مشابهة

جولة سياحية معتبرة (3)

16 يناير 2006

سابقا في مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية:
مقدمة مملة لابد منها
مسار الأف ميل:خطوة البداية (1)
مسار الألف ميل: خطوة البداية (2)
جولة سياحية معتبرة(1)
جولة سياحية معتبرة(2)

حسنا.. جاء دورنا لتجاوز بوابة المطعم لنلتحق بالطابور الداخلي..

لا تقلقوا.. لن يمنعكم أحد من الدخول لأنكم غير مرئيون.. وهذا يعني أيضا أنه لن يحق لكم الحصول على نصيب من الوجبة.. وهذا حسن حظ أحسدكم عليه..

إن الرائحة مقرفة.. أعرف ذلك.. هذا راجع إلى الخليط غير المتجانس الذي يصرون على أ، يطبخوه هنا.. تصوروا كيف يكون طعم ورائحة الفاصوليا المصبرة حينما يقرر أحدهم طبخها.. لا أستبعد أن نجد يوما سمكا مصبرًا مشويًا..

علي إذن أن أحمل صفيحة حديدية بها فراغات مختلفة المقاسات، من النوع الذي يستعمله المساجين عادة، و أن أتقدم في طابور طويل كي أحصل على تشكيلة من الأشياء التي يصرون على أنها تؤكل.. إن الفرق بين المكان وبين السجن البلدي ضئيل حقا.. ولو كنت ممن لم يألفوا ارتياد المكان لما استطعت أن تفصل بينهما..

المحطة الأولى: (منطقة السلطات، بتشديد السين وفتحها)..

هنا تقدم جميع أنواع السلطات المفتخرة، ولا تنسوا تشديد السين وفتحها كي لا أعاني من مشاكل سياسية .. فمن قطع الخيار الديناصورية المنقوعة في المياه المعدنية إلى قطع الجزر والبطاطس المسلوقة التي لا يمكنك أن تميز جزرها من بطاطسها. وتبقى السلطات على العموم إحدى العناصر القليلة التي تؤكل بضمير مرتاح..

المحطة الثانية: (منطقة أشباه اللحوم البيضاء والحمراء)..

هنا يقدم ما يلي:

- شرائح لحم بقري (مع قدر لا بأس به من الارتياب)، ذات سمك شبه منعدم، ملتصقة بشرائح جلد ذات سمك وصلابة لا بأس بهما بما يكفي للإيحاء بالكم.. والهدف من هذا تقوية أسنان الطلبة وعضلات أذرعهم عبر حركات الشد التي تهدف إلى تجزئة الشرائح لتيسير المضغ..

طريقة الاستعمال: ضع طرفا بين أسنانك، وامسك بكلتا يديك بالطرف المقابل.. ثم شد بكل قوتك نحو الأسفل.. حذار من أن ينزلق الطرف من بين يديك لأن اللسعة التي سيستقبلها وجهك لن تكون محببة إلى النفس. وحين تصل يداك إلى أقصى اتساع لهما دون نتيجة، يمكنك حينها الاستعانة بقدميك لمواصلة الشد.. لذا ينصح بغسلهما مع اليدين قبل الدخول.. كما يمكنك أن تبتلع الشريحة قطعة واحدة لو كنت لا تملك الوقت لهذا الهراء، وتترك للمعدة إكمال البقية..

- كويرات مجهرية من الكفتة مع طن من صلصة الطماطم.. مهمتك أن تبحث عن الكفتة وسط الطماطم لو كنت من أقوياء النظر.. أما لو كنت من ضعافه فابتلع الصلصة كلها فالكفتة فيها لا بد واجد..

- قطع دجاج.. وعلي هنا أن اعترف أنها أفضل أكلة تقدم من حيث جودة الطبخ.. فقط عليك أن تجد قطعة مناسبة يتفوق فيها وزن اللحم على العظم.. وهذا ممكن بشيء من العسر لو كان (عزيز) هو الذي يقدم القطع.. فقط عليك حينها أن تمحو من ذاكرتك مشهد صدره المشعر الغارق في العرق، والذي يصر على إبرازه وهو ينحني ليحضر لك قطعة الدجاج المطلوبة.. اعتبر قطرات العرق هذه كنوع من التوابل أو المخللات لتحسين المذاق.. أما لو لم تكن وافر الحظ فستلتقي بذلك الكهل الذي كره الدنيا وكرهك معها.. حينها لا تحاول أن تحتار القطعة لو كنت من النوع المسالم، فهو يقدم لك ما يريد ويرميه ف صفيحتك كأنه يقتطعها من لحمه الخاص.. ولا بأس بنظرة ازدراء عابرة لإتمام اللوحة.. وفي فترة من الفترات اختفى العجوز لمدة لا بأس بها.. فتساءل أحدهم عن مصيره، وحينما لم يجب أحد قال الفتى أنه يشك في أن اللحم الذي يقدمونه لنا مؤخرا هو لحم الكهل لأنه يبدو هرما بالفعل..

المحطة الثالثة: (منطقة الوجبة الثانوية)

- سواء كانت عدسا أو لوبيا، أنصح بالابتعاد عن المكان.. إن هما إلا سببان أساسيان لتعاظم غازات البطن.. وحينما يأتي يوم منحوس تكون فيه الوجبة الأولى مقرفة، ويقرر الجميع تناول أحدهما، حينها يلتزم الجمع بعدم إشعال أعواد الثقاب أو ما شابه في العنابر خشية انفجار نووي..

- ثم هنالك قطع البطاطس المقلية.. ومع هذه أنت وحظك.. فتارة تكون ذات حجم هائل لكل قطعة، مما يجعلها غير مطبوخة على الإطلاق من الداخل، مع ملاحظة إنك لن تحصل سوى على أربع او خمس قطع على الأكثر.. و تارة أخرى تكون عبارة عن نوع من الفحم الحجري الممتاز، وهذا حينما تحتج على أنها لا تطهى بما فيه الكفاية..

المحطة الرابعة والأخيرة: (منطقة الفواكه وأشباهها)..

هنا تجد، حسب المزاج، في كل مرة فاكهة من نوع ما.. والقاسم المشترك بينها أنها إما غير ناضجة دوما، أو من النوع الذي يتركه الباعة وراءهم بعد انتهاء السوق: تفاح عليه ندوب من مخلفات الحرب العالمية الثانية، أو موز معوق يمكن شربه مباشرة دون مضغه، وأشياء من هذا القبيل..

هذا في وجبة الغذاء.. أما في العشاء فتجد إما كأس زبادي، أو ما نصطلح على تسميته ب(دانون).. وهذا أفضل قطعة كاملة يمكنك الحصول عليها.. غير هذا هناك كأس مياه غازية، أو كأس أي مشروب حليبي.. وطبعا الكأس بلاستيكية تبدو كأنها كانت تستعمل من قبل التتار أيام مجدهم..

وكإضافة مجانية، يمكنك الحصول على (الحريرة)، وهي نوع من الشربات المحلية الثقيلة.. فقط على من شربها أن يصعد لغرفته بأقصى سرعة، ويحضر سريره ويتمدد قبل أن يسقط في غيبوبة النوم وهو واقف.. إن مادة الصودا عنصر أساسي في كل وجبة وذلك كي تطهى بسرعة، لكن الكمية التي يضعونها في الحريرة خرافية بالفعل..

سؤال وجيه: هل يضعون الصودا في المياه الغازية والمواد الحليبية أيضا؟ بدأت أشك بذلك حقا..

حاملا صفيحتي المحملة بما لذ وطاب مما سبق ذكرهن سنتجه للبحث عن وجه من الوجوه التي اعتدت مجالستها.. هاهي ذي الشلة المعتادة وقد اكترت طاولة خاصة بها كالعادة..

أجلس و أتطلع بتقزز إلى الأكل.. أحاول أن أستخلص منه ما يصلح للأكل.. ثم أتطلع إلى السوق البلدي الذي يحيط بي.. نحن المغاربة لا نستطيع أن نجلس لنأكل بهدوء قط، فكل موضوعات الدنيا تناقش على مائدة الطعام.. وهذا لا يعني أننا نتوقف عن الأكل.. إن عادة الكلام بفم ممتلئ هي عادة صحية لدينا بخلاف كل ما يقوله الأطباء المتخلفون..

وكما جرت العادة، لا بد أن نمتع آذاننا بصوت العشرات من الصفائح الحديدية التي يوقعها (الحسن) أرضا كنوع من التقاليد.. لكم أن تتخيلوا قوة الصوت وتردده في قاعة كبيرة كهذه.. يمكننا بشيء من التسامح أن نشبهه بصوت قصف الرعد.. ماذا يفعل (الحسن) بالصفائح؟ طبعا يغسلها بالمياه الساخنة و بمكنسة.. نفس المكنسة طبعا هي المستعملة غالبا لكنس العنابر.. فبالهناء والشفاء يا شباب!

تابع القراءة: يوم أول!!

جولة سياحية معتبرة (2)

12 يناير 2006

سابقا في مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية:
مقدمة مملة لابد منها
مسار الأف ميل:خطوة البداية (1)
مسار الألف ميل: خطوة البداية (2)
جولة سياحية معتبرة(1)

لو قارنتم غرفتنا بأي غرفة أخرى بداخلية المركز فستكتشفون فورا أنها ذات طابع منزلي محبب إلى النفس.. ربما يفسر هذا سر تجمع الشباب الدائم لدينا في جلسات سمر، متحلقين حول براد شاي ثقيل ساخن من الذي يتقنه صديقنا (محمد)..
لقد جعلنا من الغرفة مكانا أليفا خصوصا مع آيات قرآنية لخطاط فنان علقت بالحائط بجوار صورتين كبيرتين متقابلتين، إحداهما للكعبة والأخرى للقدس.. بالإضافة إلى (الموكيت) الأخضر - ولا أجد ترجمة مناسبة للكلمة – الذي يكسوا الأرضية..
حاولوا أن تتمتعوا بالغرفة بهذا الشكل قبل أن تعود إلى الحالة الطبيعة لها، والتي تتلخص في كويرات متعددة من مواد مختلفة مرمية هنا وهناك: كويرات من ملابس، وكويرات من أوراق، وكويرات من قشور، وكويرات من أشياء لا تدري كنهها لكنها موجودة..
اعتبروا الغرفة لكم إذن.. فقط عليكم أن لا تنسوا أنها غرفتنا.. وهذا يحتم عليكم نزع أحذيتكم قبل الدخول..
لا داعي لأن تخجلوا من منظر أصابعكم وهي تجاهد كالمساجين للفرار من الجوارب المثقوبة، فما نحن إلا طلبة نتفهم مثل هذه الأمور.. كما لا داعي للقلق بشأن رائحتها القتلة لأن المراحيض تكفلت بقلب مفاهيم الشم لدينا بشكل يجعل أي رائحة كانت تبدو أشبه بالعطور الباريسية الفاخرة بالمقارنة..
تفضلوا بالجلوس.. فليشغل اثنان منكم الكرسيين الخشبيين، وليصطف الباقون فوق السريرين.. حاولوا فقط أن تتركوا منتصف فارغة حتى لا تتقوس تحت ثقل أوزانكم.. إن نوابضها ليست على ما يرام.. وقد يبدو سريري على ما يرام نوعا، لكن سرير (عبد الله) قد بدأ بالتحول إلى نوع من منامات المخيمات التي تعلق بين شجرتين.. تعرفونها طبعا..
الحقيقة أن لا شيء يهم حينما تكون هنا.. فبعد يوما دراسي حافل، ومع تأثير أطنان الصودا التي يصرون على وضعها في الطعام، يكفي أي وضع أفقي أو حتى عمودي، كي تغرق في سبات يتفوق على عمق سبات الدببة القطبية.. (يقول (بعد الله) أنه يغرق في النعاس بمجرد وضع رأسه على المخدة.. أما أنا فلا أذكر يوما متى وضعت رأسي على المخدة مما يجعلني أظن أنني أغرق في النعاس ورأسي في الطريق إليها..
إن النوم هو الخصم اللدود والمرض الشعبي بالمركز.. يمكنك أن تظن، وأنت مرتاح الضمير، أن المركز مليء بمستعمرات ذبابة تسيتي، ولن يخالفك أحد الرأي.. لكن التأثير المميت يختلف فقط من شخص لآخر..
ذات يوم قررت و(عبد الله) أ ن نأخذ قيلولة من النوع الطويل.. قيلولة من النوع الذي يستمر حتى الساعة الرابعة بعد الزوال.. ضبطنا كل شيء.. منبهات الهواتف المحمولة.. منبه ساعتي اليدوية.. وآلة إيقاظ الموتى التي يصر (عبد الله) على تسميتها بمنبه.. تعرفون ذلك النوع من المنبهات الذي يمكنه أن يكسر الزجاج بصوته؟ هو ذاك..
سبحنا في ملكوت الله حتى الرابعة.. فطفق كل شيء يرن.. زلزال صوتي لا يبقي ولا يذر..
وهناك، بجانب كل هذا الضجيج كان مخلوقان متمددان لا يحركان ساكنا، وكأنهما ينامان تحت صوت موسيقى كلاسيكية هادئة..
صدقوني.. لقد حاولت أن أقوم.. لكنني فشلت فشلا ذريعا..
انطفأت منبهات الهواتف بعد أن ملت، ولم يجد منبه الساعة اليدوية، بصوته الضعيف، مكانا وسط الصخب المدوي، فخرس بدوره.. لكن آلة إيقاظ الموتى كانت مصرة على الاستمرار.. والمشكلة أننا وضعناها في منتصف المسافة بيننا كي لا نخرسها ونعود للنوم..
تمكنت بصعوبة من أن أفهم أن الصوت المزعج هو صوت المنبه.. وحينما قررت أن أقوم لأخرسه انطفأ الضوء الإلهي من أمام عيني.. ثم أحسست أن هناك صوتا مزعجا بالمكان.. وحينما فهمت مجددا أنه صوت المنبه كنت قد غرقت مرة أخرى في النعاس..
ما فهمته بعدها هو أن المنبه بقي يرن لربع ساعة، لابد أننا حصدنا فيها كل اللعنات الممكنة من طرف الجيران، قبل أن يتمكن (عبد الله) بمعجزة ما من أن يقوم بمجهود خرافي ليصل إلى المنبه ويخرسه، قبل أن يعود ليواصل النوم حتى الليل..
هناك حكايات أخرى من هذا النوع لدى العديد من الأصدقاء، أتركها للتفصيل في حلقة أخرى..
دعونا ننزل.. فهذا وقت وجبة العشاء..
لا داعي للدهشة! أجل.. اعرف أنها السادسة والنصف فقط.. و أعرف أن أية دجاجة تحترم نفسها تنام بعد هذا الوقت بكثير.. لكنها الحتمية (البعبولية) التي تلعب دورها..
أخخخخ!!
لقد وصلنا متأخرين.. فهاهو ذا الطابور الثعباني قد تشكل وتلوى حسب المسار المفروض..
أزواجا.. هكذا نقف للأسف كتلاميذ المدارس الابتداية قبل الدخول للمطعم.. وهي تشكيلة إجبارية من طريف الناخب الوطني (بعبول الزاكي) الذي يقف بنفسه رفقة لجنة مراقبة رسمية مكونة من بعض المعلمين..
وطريقة الدخول إلى المطعم تكون عبر مجموعات.. يقومون بدور السدود التي تسمح بمرور كمية من الطلبة حتى يبدأ الصف الداخلي بالامتلاء ثم يوقفون التدفق..
أجل.. كما سمعتم.. هناك طابور بالخارج وطابور بالداخل، وكأننا نستخرج أوراق إدارية في مصلحة سريعة الأداء بشكل قاتل..
ولكم أن تخمنوا أنهم سيوقفون التدفق حينما أصل شخصيا إلى المدخل.. إن هذا حتمي كما يحدث في الأفلام الأمريكية الرخيصة..
إن بطني تزغرد.. لكن الرائحة المنبعثة من الداخل غير مشجعة على الإطلاق!
تبا مجددا!

تابع القراءة: جولة سياحية معتبرة(3)

مسار الألف ميل: خطوة البداية (2)

6 يناير 2006

سابقا في مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية:
مقدمة مملة لابد منها
مسار الأف ميل:خطوة البداية (1)

-” إلى اللقاء..”
قلتها و أنا أخرج حقائبي عند البوابة الخلفية للمركز حيث مدخل الداخلية..
تطلعوا إلي جميعا في استنكار قبل أن تقول والدتي:
-” أتينا إلى هنا جميعا، ونتركك قبل حتى أن تتم إجراءات التسجيل وتستقر؟”
آخ.. هذا ما كنت أخشاه.. الشاب الوحيد الذي رافقه أهله كأي طفل صغير كي يطمئنوا عليه في مكمنه الجديد.. أيٌ فضيحة أكبر من هذه في اليوم الأول بالمكان؟
أعدت الحقائب إلى الحقيبة الخلفية للسيارة، وركبت من جديد قائلا:
-”في هذه الحالة، فلندخل بالسيارة إلى الداخل كي نقترب أكثر!”
لم يكذب أبي خبرا، فأعاد إدارة المحرك قائلا:
-”حسنا.. أتعشم أن يكون دخول السيارة إلى المكان مسموحا!”
أغمضت عيني ونحن نجتاز البوابة وأنا موقن أن الفضيحة وشيكة.. وحينما فتحتهما فوجئت بمجموعة من السيارات من مختلف الأنواع والأحجام متناثرة هنا وهناك.. و الأهم من ذلك، مجموعات بشرية من مختلف الأعمار والأشكال..
تنفست الصعداء أخيرا، فلست الشاذ الوحيد هنا.. بل إن السواد الأعظم من المرافَقين هنا يبدون في حالة قاتلة من الرضا عن النفس وعن الآخرين، وهم في غاية السرور كأنهم يدخلون جنة الله في الأرض..
اقترب منا شيء ما يمكننا بشيء غير يسير من التجاوز أن نصطلح على تسميته كلبا.. تطلعت إليه، وابتسمت مرغما.. ثم لم أتمالك نفسي وقد عاودتني نوبة السماجة المألوفة، فأشرت بيدي بحركة شيكسبيرية نحو المخلوق قائلا بأكبر قدر ممكن من الفخامة:
-”أقدم لكم اللورد الكابتن كلب الأقسام التحضيرية المدرٌب!”..
طبعا كان لابد من اعتراض من أمي باعتبار أن أحدهم قد يسمعني ويظنني أتحدث عنه، و أنه لا يجب علي أن أبدأ بعداوات منذ البداية، وأشياء من هذا القبيل من النوع الذي تجيده كل الأمهات طبعا..
لكن موجة السماجة كانت قد ركبت دماغي بالفعل ولم يعد أحد يستطيع إيقافي:
-”هيه!! أيها الكلب.. يا كلب!”
نظرت إليهم عاقدا حاجبي على الشكل العادل إمامي الشهير مضيفا:
-”لماذا لا يغضب؟! العجيب أنني نعته بالكلب ولم يحرك ساكنا! أليست لديه كرامة؟ إن كلاب (أكادير) لغريبو الأطوار بالفعل!”
في هذه اللحظة وصل زملائي القدامى من المرحلة الثانوية لينقذوا أفراد أسرتي من الإصابة بالفالج..
دعونا نتجاوز مرحلة إجراءات التسجيل المملة فملامحها تتكرر في كل زمان ومكان.. فلا بد من الطوابير الملتوية كالثعابين.. ولبد من موظفين متكدري المزاج دوما.. ولابد من أن تحتاج بضعة سنتيمات حقيرة كي تدفع ثمن الدمغات، وأنت كالعادة لا تملك سوى ورقات مالية من النوع السمين.. باختصار: الروتين المعتاد..

إن رفيق غرفتي القادم يسمى عبد الله، وهو صديق قديم بالفعل، لكنني لم أجرب قط أن أعاشره المسكن.. الحقيقة أنني لم أجرب قط أن أعاشر أيا كان سوى أسرتي، فلا داعي للحذلقة إذن..

رافقنا (((معلم))) الداخلية إلى غرفتنا.. ولفظة معلم هنا بين ست أقواس لأنني غير مقتنع بها، و إنما هي محاولة ترجمة حرفية لكلمة (maître) الفرنسية.. إنه ببساطة طالب بكلية أو معهد ما، وهو يقطن بداخلية المركز مقابل القيام بمجموعة من مهام المراقبة والضبط نظير أجر هزيل..

كان من المؤكد أن نجد أن شيئا ما ليس على ما يرام، خصوصا قد اجتمعت قوى النحس الخرافية خاصتي بالتي تخص عبد الله في مزيج غير مسبوق: كانت كل الغرف المجاورة سليمة إلا غرفتنا التي لا يمكن أن نسميها كذلك ما دامت لا تتوفر على قفل ما أو أي شيء يسمح لها بأن تغلق.. مجرد حاجز خشبي دون مقبض أو قفل..
التفت إلى (عبد الله) قائلا:
-”سنقطن بالسوق البلدي على ما يبدو”..
وذلك كناية عن انعدام الأمن في ظل البوابة المواربة..
والآن علي أن أعترف.. كان لبقاء أسرتي، حفظها الله لي، إلى هذه اللحظة دور كبير في حل المشكلة بسرعة.. ربع ساعة وكنا قد اشترينا مقبضا وقفلا جديدين، وتمكنا من تركيب كل شيء باستخدام العدة التي يصر أبي على أن ترافقه أينما ذهب بالسيارة.. غير ذلك كنا سنضطر للبحث عن نجار لا أدري كم كان سيقبض كثمن للتنقل، ناهيك عن أننا كنا سنقضي ما يفوق الساعتين قبل أن نشتري المقبض والقفل أصلا..
وكان لابد من أن أسمع تعليقا من طراز:
-” أرأيت؟ و أنت الذي كنت تريد منا أن نرحل بسرعة!”
ثم رحل أفراد الأسرة، بعد كم مهول من النصائح والإرشادات التي لم أعد أذكر منها حرفا بالطبع بمجرد أن غادروا..
وكانت المفاجأة المفرحة هي أنه بمعجزة ما اجتمعنا نحن القادمون الستة من مدينتي في منطقة واحدة، وهي عبارة عن ثلاث غرف متجاورة في رواق واحد خاص..
اقترح أحدهم أن نغلق مدخل الرواق ببوابة، ونعيد هدم وبناء الجدران الداخلية كي نعيد تفصيل الشقة على ذوقنا.. وقد كان محقا.. فقد حصلنا على منطقة خاصة بنا فقط عكس كل القادمين من مدن أخرى..
أمضينا الليلة في السمر طبعا والكل يداري قلقا خفيا من مصير مستقبلي مجهول..
وفي الغد كانت تنتظرنا مفاجأة مذهلة: سقوط برج التجارة العالمي..
لم نشغل أنفسنا بالتفسيرات السياسية أو التكهنات أو التوقعات.. كل ما كان يشغلنا حينها هو أننا لا نملك تلفازا نتابع فيه ما يحصل!!
تبا!!

تابع القراءة: جولة سياحية معتبرة(1)

مسار الأف ميل:خطوة البداية (1)

3 يناير 2006

سابقا في مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية:
مقدمة مملة لابد منها

تطلعت إلى النافذة الزجاجية.. المشهد شبه الصحراوي.. وتلك الأشجار المعدودة المتناثرة على جوانب الطريق، والتي تسارع بالفرار نحو الخلف كلما طوت السيارة الطريق مخلفة وراءها المدينة صغيرة..
مدينتي.. حيث دفء السرير المألوف يصنع ألف فارق.. حيث أصوات أصدقاء الطفولة والصبى لا تزال تناجيني..حيث كنا نحن.. والآن أصبحوا هم..
متجهين إلى (أكادير)، مدينة الجن والملائكة المغربية، حاولت مستبسلا أن اتحمل أغاني ذلك الشريط الشعبي الذي تصر والدتي على الاستماع إليه كلما سافرنا.. تعرفونه طبعا.. إنه ذلك الشريط الشهير ذو الأغنية الفذة التي تقول كلماتها “وا باغي نتزوج أها.. وحتى تكبر أها.. واباغي نتزوج أها.. وحتى ترجل أها..!!”
أعوذ بالله من الحمق! أيوجد بعد على الأرض من يملك صفاقة كافية ليكتب هذا النوع من الكلمات، ناهيك عن أن يغنيه؟ وحينما أتحدث عن اللحن هنا فهذا تعبير مجازي فقط! تعرفون ذلك النوع من الألحان التي تواكب الإيقاع الشعبي المغربي الأشهر: “واحد- واحد / إثنان- واحد”.. الحقيقة أنه إيقاع يستطيع أن يحرك أطرافك، لو كنت مغاربيا، دون ان تعي ذلك.. لكن ربط كل الألحان به بنفس الطريقة الشنيعة يسبب مللا خرافيا قد يغريك يوما بقطع أذنيك ذاتها كي تكف عن سماعها..
تطلعت بحنق إلى أفراد أسرتي الصغيرة.. أبي و أمي و أختي الصغرى، والخادمة الصغيرة، التي لم تعد كذلك بعد أن أصبحت فردا من الأسرة، والذين يرافقونني جميعا في يومي الأول بمركز الأقسام التحضيرية.. كنت بحاجة إلى سيارة لنقل أمتعتي حقا، ووالدي لوحده كان سيفي بالغرض.. لكن الآخرين أصروا على المجيء معنا بحجة قضاء اليوم بأكادير، وشراء ملابس جديدة للدخول المدرسي لأختي..
فكرت حانقا أنه كان عليهم أن يرسلوا برقيات لأفراد العائلة بالوطن كي نلتقي جميعا هناك بهذه المناسبة السعيدة..
لقد كنت من النوع الإستقلالي الذي يحب أن يعتمد على نفسه، ويكون مسئولا عن كل صغيرة وكبيرة في حياته.. ولكم أكن أدرك حينها أنه سيأتي يوم أصبح فيه مسؤولا عن الدفاع عن حقوق أكثر من أربعمائة طالب بشكل سيجعلني أكره مصطلح المسئولية ذات نفسه (تطالعون التفاصيل لاحقا ب:مذكرات طالب مهندس)..

سرحت بأفكاري بعيدا..
إلى هناك..
مركز الأقسام التحضيرية (رضى السلاوي)..
تقافزت إلى ذهني عبارات من طراز: حصص قد تستمر أربع ساعات متواصلة.. امتحانات كالأساطير.. طلبة لا ينامون قبل الساعة الثالثة صباحا، ويستيقظون قبل السابعة صباحا يوميا.. العديد من حالات الإنهيار العصبي والجسدي.. صوت سرينة الإسعاف مألوف للغاية بالمكان..
أفكار سوداية أخرى من طراز: هل سأتحمل؟ و أنا الذي يجد في النوم بعد منتصف الليل إنجازا يستحق التدوين في موسوعة (جينيز) للأرقام القياسية؟ أنا الذي أعد الدراسة المتواصلة لثلاث ساعات بتركيز عال نوعا من الخيال العلمي؟ أنا الذي أدرس بمعدل عشر دقائق يوميا خارج أيام التحضير للإمتحانات، حيث يصل أقصى معدل إلى أربع ساعات..
ولا بأس ببعض التصورات الكاريكاتيرية من قبيل أسد وديع، كتب فوقه مركز الأقسام التحضيرية، يتسلى بلعق قصبة ساقي على سبيل فتح الشهية.. هكذا تكتمل الصورة القاتمة..
يبدو أن أيامي هناك ستكون حافلة..
حافلة للغاية..

تابع القراءة: مسار الألف ميل: خطوة البداية (2)


مقدمة مملة لا بد منها

3 يناير 2006

سؤال وجيه:
ما هي الأقسام التحضيرية لولوج المدارس العليا للمهندسين؟
جواب أكثر وجاهة:
إنها أقسام تحضيرية لاجتياز مباراة وطنية.. وهذه المباراة تخول للناجحين الولوج إلى إحدى مدارس المهندسين بالمغرب.
قد يبدو المصطلح غريبا، إ، لم أقل شاذا، بالنسبة للمشارقة منكم.. وهذا مفهوم في ظل نظام الجامعات الأنجلوساكسوني.. لكن النظام الفرنسي المطبق هنا يعتمد على التخصص.. فالهندسة لا تدرس بالجامعات إطلاقا، و إنما في مدارس متخصصة مستقلة، مما يسمح بالتطور حسب التخصص، وعدم التقيد بنظام تعليمي معمم قد لا يناسب متطلبات كل تخصص على حدة.. وقد أثبت هذا النظام أنه الأنجع بين أنظمة التعليم العالي لحد الآن.

لماذا أتحدث عن كل هذا الآن؟ فقط كي أضعكم في الجو العام لما سأتحدث عنه في هذا القسم إلى أن ينتحر أحدكم أو يتوفاني الله..
سأتحدث عن الحياة الطلابية بهذا المسار الدراسي الذي لم يكن عاديا قط.. و الأهم من هذا أنه لم يكن مملا..
قد يكون خانقا.. قاتلا.. ممتعا.. لكنه لم يكن يوما مملا..
على الإطلاق..
هذا ما ستكتشفونه بأنفسكم لو تابعتم هذا القسم بانتظام..
فقط نصيحة لوجه الله: حضروا جردل مياه، وكيلوغرامين من الأسبرين، أ, الباراسيتامول لو كنت من ضعاف المعدة.. ولا بأس بتشكيلة محترمة من الأقراص المهدئة للعصبيين، و أقراص النيتروجليسيرين لمرضى القلب..

ماذا أيضا؟
آه.. اربطوا الأحزمة، وكفوا عن التدخين!

تابع القراءة: مسار الألف ميل: الخطوة الأولى