أرشيف تصنيف 'مذكرات طالب مهندس'

يوميات بيزو خانز (2)

10 ديسمبر 2007

سابقا في مذكرات طالب مهندس: يوميات بيزو خانز (1)

هذا يومك الثاني بالمعهد..
استيقظت مبكرا كي تخرج قبل أن يستيقظ الوحوش.. دغدغ الهواء البراد رئتيك، و…
ما سبب نظراتكم المتسائلة هذه؟
تتساءلون عما حدث بالأمس.. حيث توقفت الحلقة السابقة؟ الحقيقة أن هذا نوع من الفضول الحميد..
لقد ظننتَ الأمرَ لا يهم سوى من يعيش الحدث.. لا يهم سواك.. أنا أيضا ظننت ذلك..
على العموم لم يحدث شيء ذي بال.. اللهم إلا خمس أو ست طلبة جدد استحموا بالخراطيم المائية.. وآخرون مارسوا رياضة السباحة البرية فوق العشب.. وآخرون رسموا حرف بيتا بأجسادهم فكاد بعضهم يهشم عظامه.. الروتين المعتاد كما تلاحظون..
لكنك لم تجده معتادا حينها.. لم يكن روتينا، ولا أشياء مبهجة كما هي بالنسبة لي الآن.. الحقيقة أنني وأنت رغم كوننا نفس الشخص، إلا أننا مختلفان جدا.. دخلت أنت إلى المعهد وخرجت أنا.. خلال الأربع سنوات التي أمضينها معا، كنت تختفي أنت لأظهر أنا ببطء.. فلندع الأحداث تظهر الأسباب.. فلنتابع السرد..
* * *
مرعب!
مشهد مرعب حقا!
العشرات من العيون الملتصقة بك..
تلك الجدران الآدمية التي تتطلع إليك من عل، وأنت جاث على ركبتيك مجبرا، وتضع أصبعك الوسطى فوق أرنبة أنفك في وضع بذيء شهير..
إنه لمشهد مرعب حقا بالنسبة لشخص حديث لم تسخن قدميه موطئهما بعد بالمعهد..
حينما سحبك ذلك الطالب القديم من ذراعك أوقفك أمام دزينة من القدامى الذين كانوا يرمقونك كأنهم يرون مخلوقا فضائيا.. أجبرك على الوقوف على ركبتيك.. ثم…
- “هيا! قم بالتحية!”
قالها أحد الملتفين بك و هو يحاول أن يخرج عينيه من محجريهما على سبيل الإرعاب.
- “السلام عليكم ورحمة الله..”
قلتها أنت كمن أدى واجبه في الحياة..
يضحك البعض.. يبتسم البعض الآخر.. في حين يحتقن وجه السائل وهو يحاول كتم ضحكته كي لا يخرج من الدور.
يقول مجددا:
-”التحية أيها المتحذلق!”
يأخذ ذراعك الأيسر ليلفه من فوق رأسك، ثم يطالبك بأن تضع pi.png .. لقد ظننتَ أنك انتهيتَ من عالم المفتونين بالرياضيات كالمجانين، لكن هؤلاء أثبتوا لك العكس. تكتشف بعد ذلك بأن pi.png هذه ما هي إلا وضع الوسطى بشكل زاوية قائمة مع باقي الأصابع في وضعية بذيئة، ثم وضعها فوق أرنبة أنفك. تتساءل عن الوضع لو كان المطلوب هو ( Ω ).. هل سيكون عليك أن تكسر أصابعك؟
مستوى نظر غريب.. إحساس بالدونية تذوقه لأول مرة بحياتك..
أنت هناك، تحت مستوى بصر الأغلبية.. هم هناك، وليسوا بحلاقين كي تفسر انخفاض رأسك بمبرر كهذا. أنت منخفض لأنك مجبر.. لا شيء غير ذلك.. يا لها من مهانة!
تصرخ بأعلى صوتك: «Salut mes anciens supérieurs!!».. *
صرختك تحمل كل مشاعرك المتناقضة.. ذل.. ثورة.. سخط.. خنوع..
كم هو رائع هذا الصراخ.. لولاه لفقدت أعصابك.. لولاه لانقضيت تقضم أنف أحدهم.. ذلك الأنف الذي بدؤوا جميعا يحشرونه في شؤونك الخاصة وهم يسألونك بوقاحة.. إن مخترع هذه الصرخة لشخص عظيم.. شخص أنقذ ثلة من أنوف الطلبة القدامى التي إن لم تقضم لكانت ستهشم..
- “إنه ولد مطيع!”
يقولونها ويتركونك تذهب غير عالمين بما تضمره نفسك.. لقد قررت أن تعذب بعضهم مهما كلفك الثمن.. أجل! تلك النوعية التي تتمتع بتلك السلطة التي تمارسها عليك.. كيف يمكنك أن تفعل ذلك؟ هذا ما لا تعلمه بعد.. لكنك لن تعدم الوسيلة حتما..
تعلمت من ذلك الموقف أنك بقليل من التعامل الذكي بإمكانك أن تتجنب العديد من المشاكل.
ثم كان عليك أن تمر بلجنة (عبد القادر).. إنه طالب من القدامى أيضا.. ورغم أنه أوقفك إلى جانب بعض زملائك الجدد على ركبتيك أيضا، إلا أن نوعية حديثه كانت مختلفة.. كان يتحدث عن ثلاثية القوى بالمعهد: قوة الإدارة، وقوة الأساتذة، وقوة الطلبة.. تحدث عن ضرورة أن نكسب الأساتذة في صفنا لأنهم القوة العظمى.. لقد أثبتت الأيام لاحقا أننا كسبناهم بالفعل.. فقد كانت تلك السنة المباركة هي سنة المجزرة التي طرد فيها 18 طالبا، وكرر 24 السنة الأولى.. والله أعلم بما حدث بالنسبة لباقي السنوات.. سنعود إلى الموضوع لاحقا.. أما الآن فلتستبسل في تحمل الأخ (عبد القادر) لأنه كان يتحدث عن أشياء مهمة بالفعل..
وصلت الغرفة أخيرا بعد العديد من الكمائن ومحطات التفتيش والمراقبة و(البيزوطاج).. تتطلع إلى الأمتار المربعة الثلاثة.. لا بأس! لا بأس على الإطلاق! لا ينقصها سوى الحمام الفردي و(الدوش).. ذلك (الدوش) الذي اكتشفت أنه جماعي أكثر مما يجب.. فلا توجد هنالك أبواب تفصل الواحد عن الآخر.. صباح العري المكشوف!
وفي المساء.. تستلقي فوق السرير.. ذلك المعشوق الأبدي الذي لم تحب من قبل أحدا بنفس مقدار حبك له.. مريح!! وجديد أيضا!! انتهى عهد الأرجوحة الصيفية التي يسمونها مجازا بالسرير، في الأقسام التحضيرية.. هذا سرير صلب ذو نوابض حقيقية أخيرا..
تشغل شريطا موسيقيا.. الأخ (صابر الرباعي) يصرخ: “خلص تارك! طفي نارك! ملي شفتو قبل مني…”
يبدو أنه يدرس بمعهد به (بيزوطاج) هو الآخر! فهنالك دوما ذلك المنطق الذي يتخذه القدامى: “أنا أمارس (البيزوطاج) لأنه مورس علي من قبل”.. نوع من الانتقام ممن سبقوك.. هكذا كنت ترى الأمور.. أنا أعرف الآن أن الأمر ليس كذلك دوما، لكنك حينها كنت حديثا، غير ناضج، لا تعرف العديد من الحقائق.. لا أحد يلومك يا صاحبي..
إنه صراخ.. إن مصدره قريب جدا.. تطفئ جهاز تشغيل الأشرطة.. تقفز إلى الباب فتغلقه بلفتي مفتاح كاملتين.. لو كانت هنالك لفات أخرى لقمت بها حتما.. منعت نفسك بصعوبة من أن تضع السرير وراء الباب.. تبتسم في قرار نفسك لهذا الفكرة المرعوبة.. لكنك تتساءل بالفعل إن كانوا قد يصلون إلى حد تهشيم الباب لو لم تفتح.. إن كم الأشياء المرعبة التي سمعتها عن (البيزوطاج) وما يمارس به لكفيل بأن يجعلك تعيش في رعب دائم.. الصراخ يرتفع.. يبدو أن هنالك شجارا ما.. وهو قريب جدا.. ربما هي الغرفة المقابلة أو التي تجاورها..
تضع أذنك على الباب كي ترهف السمع وقلبك يدق بسرعة ألف دقة لو كان شيء كهذا ممكنا.. ثم اصطدم شيء ثقيل باب الغرفة بقوة غير عادية.. وقفزت إلى الخلف كأن الضربة كانت في وجهك مباشرة…

————————————————————-

* تحية لرؤسائي القدامى!

يوميات بيزو خانز (1)

24 نوفمبر 2007

ليلة أكثر سوادا من كحل العيون قضيتَها في الطريق من بلدتك الصغيرة إلى الرباط. حافلة يفترض بها أن تكون مريحة! لكنك دفعت ثمن هذا الافتراض غاليا.. دفعته على شكل مقعد لا ينثني، يجعلك تجلس كالبوم طوال الطريق.. دفعته على شكل محرك لا يكف عن العويل مضيفا مؤثرا صوتيا فذا ساهم في رسم سيمفونية الأرق التي تمتعت بعزفها لا محالة.

تصل إلى الرباط مهشم الأوصال. تبحث عن يدك اليسرى فتجدها وراء قفاك مباشرة.. تبحث عن كوعك فتجده مدفونا في بطن رفيقك بالرحلة، في حين يخرج هو يده اليسرى بصعوبة من فمك. تكتشفان أنكما بحاجة إلى دليل (Catalogue) لإعادة تركيب أشلائكما.

أمامكما الآن إحدى مهام (سيزيف) البطل الأسطوري: حمل جبال الأمتعة التي أحضرتماها معكما وكأنكما مهاجران من (تمبكتو)، والوصول إلى المعهد الذي ستبدآن به دراستكما.. “المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي”. لم تكفا طيلة الطريق عن الحديث عن (البيزوطاج) وعن الأساطير التي تحاك حوله، والتي شنٌفت آذانكما من مختلف المصادر. لذا توقعتما أياما أسود من كل قلوب كفار قريش مجتمعين.

تركبان سيارة شحن صغيرة، كان صاحبها الوحيد الذي قبل أن ينقلكما دون أن يحطم جيوبكما. أنتما أذكياء جدا، لذا تطلبان منه التوجه إلى بوابة الداخلية مباشرة وأنتما متأكدان أن الآخرين، الأغبياء، سوف يتجهون إلى الباب الرئيسي ثم يدخلون. لقد كانت لديكما معلومات أكيدة أن التسجيل يكون في باحة الداخلية. أنتما أول من يصل لدهشتكما، والساعة قد قاربت الثامنة إلا ربع. توقعتما أن تجدا طوابير طويلة كما حدث أول مرة في الأقسام التحضيرية، ولكن لا شيء.. الخواء هو عنوان اللوحة.. لا طلبة ولا موظفين ولا قطط حتى..

ترجعان الأمر إلى أن العقلية (الرباطية) ستكون مختلفة حتما عن عقلية منطقتكما.

تجلسان فوق أحد المقاعد الحجرية التي تعانق الجدار على طول البناية اليسرى من المدخل، وتنتظران أول الوافدين الذي لن يكون سوى أحد القادمين من مركزكما حتما.

وقد كان.. إذ دخل (عثمان) من البوابة مجاهدا في جر أمتعته.

عناق.. فالقبلة الرباعية الشعبية الشهيرة الشنيعة.. ثم تجلسون لتتسامروا حول الموضوع الشائق الشائك الذي يشغل تفكيركم جميعا: (البيزوطاج) طبعا.

يخرج رجل نصف حليق من بوابة بناية الداخلية..

طول بعرض بكرش بارتفاع.. هذا هو الوصف المناسب له. يتطلع إليكم بنظرة غريبة، ثم يتجه نحو (عثمان) مباشرة، و يغمغم بصوت متحشرج:

- ” أعطني أوراقك !”

يتطلع إليه (عثمان) باستهجان، ثم يبتسم بسخرية قائلا:

- “أعطني أوراقك أنت أولا!”

يعقد الرجل حاجبيه في ما يشبه الغضب، ويقول:

- “لا تريد أن تتم التسجيل؟”

- “ليس بعد! سأنتظر أن تفتحوا المكتب أولا..”

- “أنا من سيقوم بذلك أصلا..”

- “لا بأس.. أعطيني علامة.. إمارة.. رخصة قيادة.. ورقة رمادية.. أي شيء…”

- “تهرج؟ حسنا.. لن تتم تسجيلك لهذا اليوم!”

- “هذا ما سنراه!”

يحملق الرجل نصف الحليق فيكم بنظرة شذرة تبادلونه إياها بأخرى مشمئزة، فيترككم ويرحل متوعدا إياكم بالعودة لاحقا.

هو طالب إذن كما توقعتم.. ياللهول!! لو كانت هذا الفحل كله طالبا، فكيف سيكون مسئولو وإداريو المعهد؟ عمالقة أسطوريين؟

يعقد الرجل حاجبيه في ما يشبه الغضب، ويقول:

- “لا تريد أن تتم التسجيل؟”

- “ليس بعد! سأنتظر أن تفتحوا المكتب أولا..”

- “أنا من سيقوم بذلك أصلا..”

- “لا بأس.. أعطيني علامة.. إمارة.. رخصة قيادة.. ورقة رمادية.. أي شيء…”

تهرج؟ حسنا.. لن تتم تسجيلك لهذا اليوم!”

-”هذا ما سنراه!”

يحملق الرجل نصف الحليق فيكم بنظرة شذرة تبادلونه إياها بأخرى مشمئزة، فيترككم ويرحل متوعدا إياكم بالعودة لاحقا..

هو طالب إذن كما توقعتم.. ياللهول!! لو كانت هذا الفحل كله طالبا، فكيف سيكون مسئولو وإداريو المعهد؟ عمالقة أسطوريين؟

تصل في تلك اللحظة فتاة ترافقها والدتها وتجر معها حقيبة مرعبة الحجم. تسألكم الأم إن كان التسجيل قد بدأ، فتجيبون بثقة أن “ليس بعد!”. هنا يخرج طالبان آخران لا يزال العمش يطمس عينيهما. يتطلعان إليكم في دهشة، ثم يسألانكم إن كنتم قد أتممتم التسجيل بالخارجية أولا. تحركون رأسكم نفيا بشمم لم يتمتع به اللورد (كرومر) نفسه، فيبتسمان في سخرية، ويشيران إلى الطريق الداخلي المؤدي إلى الخارجية.. يشرحان المسألة لكم في بضعة كلمات لطيفة تذيب حاجز التوتر نحوهما، لكنها ترفع من حاجز الإحساس بالغباء إلى سقفه العلوي.. التسجيل يتم بالخارجية أولا.. يالهول!! ستجدون شعبا هناك..

تهرولون جميعا إلى المكان تاركين أمتعتكم بيد الله (لا أتحدث هنا عن الوزير السابق طبعا). وكان ما خشيتموه.. كان مدرج صغير شبه ممتلئ ينتظركم.. تدخلون وأنتم تتوقعون أنكم لن تخرجوا قبل الظهيرة على أحسن تقدير.. إلا أن المفاجأة السعيدة كانت بالانتظار: التسجيل كان يتم بالترتيب الأبجدي.. هذا يعني أن كل من بدأ لقبه بحرف “Z” قد حكم عليه بالإعدام مللا، و بأن تصل لحيته إلى الأرض بانتظار دوره. إنه الغباء الإداري في أشنع صوره..

كان رفيقك (عبد الله) هو أول من استفاد من ذلك الغباء، وخرج وهو يحييك بابتسامة من نوع “لقد سبقتك”.. فتجيبه بدورك بابتسامة من نوع “تبا لك!”..

وحينما تتم العملية بدورك، تهرع لتلحق بما تيسر من غرف مناسبة.. و هناك، في ممر ضيق يفصل الملاعب عن باحة الداخلية.. حيث صواريخ الهواء التي تقتلع صدرك وأنت واقف.. هناك كان (عبد الله) واقفا على ركبتيه وهو محاط بأكثر من ستة طلبة قدامى.. إنه أول ضحية لهذه السنة كما ستعرفون فيما بعد.. هذا هو ما يسمى بحظ الدجاجة.. تظهر أولا، فتذبح أولا!تتظاهر بأنك الرجل الخفي، وتمر بجوار الجمع المنشغل وكأنك غير معني بالأمر. ولدهشتك لا يهتم أحدهم لأمرك وكأنهم انغمسوا تماما في ما يمارسونه على صديقك من أوامر.

تجد مجموعة أخرى من الطلبة الجدد قد بدأت عملية التسجيل بالفعل، غير عالمين بما يحصل بالجوار، وإن كان جو من التوتر مخيما على المكان.. تضع أوراقك في مجموعة صف الانتظار، وتحاول أن تتوارى عن الأنظار بجوار شجرة (مزاح) كبيرة.

- “(بيزو).. تعال إلى هنا يا (بيزو)!”..

إن أحدهم ينادي على المدعو (بيزو)..

- “(بيزو) نظارات.. أنا أتحدث معك!”..

أنت الوحيد الذي يرتدي نظارات في المجموعة الواقفة، لكن من قال أن اسمك (بيزو)..

تتظاهر بأنك أعمى أصم أخرس أحول لو استدعى الأمر.. إلا أن تلك اليد التي توضع على كتفك، وذلك الوجه الذي يطالعك بابتسامة كريهة، وصاحبه يسحبك خارج الجماعة، ويتوجه بك إلى مجموعة من الطلبة القدامى.. كل هذه المظاهر تعلن لك بوضوح أنك قد وقعت!

تابع القراءة: يوميات بيزو خانز (2)