أرشيف ‘أنف في الحدث’ التصنيفات

محمد الراجي

الراجي

محمد الراجي..
اكتشفت قضيته مؤخرا بسبب انقطاعي عن العالم الخارجي الآيام الفارطة..
الحقيقة أنني أكتشف يوما عن يوم أنني كنت محقا بالابتعاد عن الكتابة في المجال السياسي، وبعض المجالات “الحساسة” الأخرى.. رغم أنني ابتعد عن هذه المواضيع لزهد خاص فيها، وعن اقتناع متأصل بأن الفم (القلم) السليط لن يمتع صاحبه في بلدنا السعيد إلا بجش رأسه على أحسن تقدير، أو لربما متعه بقضاء عطلة سعيدة وراء القضبان..

كلنا متعاطفون مع محمد الراجي.. وماذا بعد؟ هذا أكثر ما يمكننا تقديمه للرجل.. ربما شيء من الصراخ قد يفيد في حالات كهذه..
على العموم لدي نظرية خاصة بالأمر، وعلى غرار فؤاد مرتضى، سوف يحصل محمد على العفو الملكي بإذن الله.. والعيد على الأبواب..

مجزرة INSEA

لا أصدق! لا زلت لحد الان لا أصدق تلك المجزرة التي حدثت في المعهد (الحبيب | البغيض) الذي تخرجت منه: المعهد الوطني للاحصاء والاقتصاد التطبيقي (INSEA).

لست أتصور كيف تمكنوا من طرد خمسة من طلبة السنة الثالثة بدل أن يعطونهم شهادات التخرج! لن اتحدث عن الثمانية الآخرين الذين يكررون السنة، ولا عما حدث لطلبة السنتين الأولى والثانية. قد يقول البعض: كان المعنيون بالأمر يستحقون ذلك لأنهم تهاونوا ليصلوا إلى هذه الوضعية.. لهؤلاء أقول أن الطلبة قد ساهموا بالفعل في ذلك، وهذا شيء لن ينكروه هم أنفسهم.. ولكن اسمحوا بشرح الوضعية بشكل أفضل.. إن هؤلاء الطلبة لم يصلوا إلى هذا السنة الدراسية بمحض الصدفة.. إن هؤلاء الطلبة هم من الصفوة التي مرت بمراحل عدة من الغربلة ليصلوا إلى هذا المكان.. إنهم من أفضل 2000 طالب من طلبة جيلهم في المغرب.. ذلك الجيل الذي يتعدى 200000 طالب ممن تجاوزوا الباكلوريا.. وإن كان هذا يعني شيئا، فهو يعني باختصار أنه لديهم الكفاءة اللازمة.. ربما ينقصهم بعض من حس المسؤولية، ولكن هذا يرتبط أساسا بالنظام الذي درسنا به والذي أعرف تماما ما الذي يسببه.. ما حصل الآن سابقة لم تحدث قط في أية مدرسة مهندسين من قبل.. الأساتذة هناك يحترمون أنفسهم ويحترمون طلبتهم، ويفهمون تماما انهم يتعاملون مع صفوة حرام تضييعها بسبب أخطاء غبية في النظام..

أتعرفون المشكلة الرئيسية لدينا في المعهد، وفي أماكن كثيرة أخرى؟ إنهم السادة الأساتذة الدكاترة أنفسهم.. إنهم هؤلاء المخلوقات الأسطورية من عصور ما قبل التاريخ، والتي تظن أنفسها آلهة بالمعهد.. آلهة لا تهتم قط لأي كان.. لا طلبة، ولا إدارة، ولا أيا.. وهذا مقتبس من كلام أحدهم بالفعل وليس مجرد افتراء.. هؤلاء الأساتذة يا سادة هم أهل الحل والربط بالمعهد.. أتذكر السنة الماضية حيث كان لوبي منهم له مصلحة خاصة في اتخاذ جانب الطلبة، وذلك لتعلق الأمر برغبتهم في الحصول على مساندة الطلبة ضد أحد أعضاء الإدارة الذي كان مرشحا بشدة للحصول على منصب المدير.. في تلك السنة، كانت هنالك امتحانات أسهل، و دفاع مستميت أكبر لصالح العديد من الطلبة ولكأن الأساتذة الكرام قد تبنوا هؤلاء وأصبحوا من بني جلدتهم.. الذي رآى رذاذ لعابهم المتحمس يتطاير السنة الماضية، لم يكن ليتصور في أشنع كوابيسه أن يقوموا بفعلة شنيعة كهذه اليوم..

لمن لم يفهم فداحة الوضعية منكم دعوني أشرح أكثر: إن هؤلاء المطرودين لا يملكون أي شيء حاليا.. فمع نظامنا التعليمي الرائع الذي يتغير بشكل أسرع من تغير لون الحرباء ذاتها، لم يصبح لأي من شهاداتهم أي معنى.. فلا الباكالوريا صالحة، ولا معنى لاجتيازهم للأقسام التحضيرية التي تعد من أصعب ما يمكن اجتيازه على الإطلاق.. كل هذا لا يعني شيئا.. فعلى هؤلاء الطلبة العودة للأكثر من ثماني سنوات إلى الوراء، والبداية من جديد مع أحفادهم.. لست أدري ماذا أقول..

حقا احتبست الكلمات والمشاعر.. حقا لست أدري ماذا أقول..

ثرثرة حلاقين، وساعة إضافية..

barber.jpg

هنالك نوعان من البشر كتب عليك تحملهم إجبارا، مهما كان ما يقولونه مملا: سائقوا سيارات الأجرة، وذلك لأنك لا تستطيع أن ترمي بنفسك خارجا رغم أن الإغراء شديد في الكثير من الأحيان.. والحلاقون، لأنك لا تسطيع أن تترك رأسك بين أيديهم كي يفر باقي جسدك بجلده..

فلندع سائقي التاكسيات إلى مقام آخر، ودعونا نتناول الحلاقين..

حينما كنت أدرس بالرباط، كنت مجبرا كالعديد من الطلبة على أن نحسن من شعورنا لدى وزير الحلاقة بـ(الكامبوس).. وهذا اللقب يستحقه الرجل بالتأكيد.. بلباسه الأنيق الدائم، وربطة عنقه المختارة، والشيب الذي وحط فودية (لأنه لا يملك شعرا كافيا في المناطق الأخرى) ..والأهم من هذا، بطرقة كلامه المتعالية التي تذكرك بأحد (كيردينالات) العهد الفرنسي البائد. هذا الرجل لا يتعامل مع أية رأس كانت.. لا بد لهذه الرأس أن تفوح برائحة النقود أو السلطة أو الصداقة الشخصية.. إن لم تدخل تحت أي تصنيف منها فأن لا تستحق أن يلمس شعرك بيديه الكريمتين.. ومصيرك هو العامل الأجير الذي يضعه بالمحل لأعراض كهذه.. هذا الأخير، قبل أن يتم تعويضه بآخر، كان هو الآخر يكاد يصيبني بالجلطة من فرط ثرثرته.. لا والأشنع من هذا هو ذلك التواضع الخرافي الذي يقطر من جمل على شاكلة:
-”هل رأيت كيف تمكنت من فهم شعرك؟”.. على اعتبار أن شعري سر فلسفي من أسرار الكون.
أو:
- حقا! لن تتمكن من إيجاد شخص (يصرع) شعرك بهذه الطريقة..”.. أنت تكاد تصرعني شخصيا يا محترم!
المهم أنني أحمد ربي كلما سقطت بين يدي حلاق يباشر عمله ويتمتع بنعمة الخرس.

wtach.jpg

بالأمس، في مدينتي الأم (تيزنيت)، كان الأمر مختلفا نوعا ما، إذ أنه كان هنالك نقاش جماعي أعفاني أعضاؤه من المشاركة به لحسن الحظ، لكنني ظللت مستمعا وفيا، رغم أنفي، طيلة الوقت الذي أخذه الأخ الحلاق ليحول رأسي إلى كتلتين شعريتين بينهما فجوة جغرافية.. (ذكروني أن لا أحلق بتيزنيت مجددا)
النقاش كان يدور حول مسألة إضافة الساعة لتوقيت المغربي. وهو لعمري نقاش ممتع جدا حينما ترى ذلك الكم من النظريات الكوميدية التي تلتصق به. تابعوا الحوار (الجمل بين قوسين هي تعقيبات مني طبعا):
- إذن علينا أن نضيف الساعة غدا؟
- كلا يجب أن تضيفها اليوم في منتصف الليل.. (ذكي!)
- علينا أن نسهر حتى منتصف الليل؟ (حلاوتك!)
- لو لم ترد ذلك فيمكنك أن تنتظر إلى الغد! (الحل العبقري)
- لكنني غدا لن أتمكن من الاستيقاظ في الوقت المألوف.. (هل من زجاجة سيانيد لأنتحر؟)
هنا يتدخل عبقري آخر:
- بأية ساعة سنعمل الآن؟ الساعة القديمة أم الجديدة؟ أظن أن هذا سيشكل مشكلة في المواعيد مثلا. فسيسألك من تضرب له موعدا إن كان بالتوقيت القديم أو الجديد.
- لا يوجد توقيت قديم أو جديد.. هو توقيت واحد. السابعة هي السابعة والثامنة هي الثامنة. (الاضافة الأخيرة هي توضيح عبقري من طراز “رقاصة وبترقص..”)
- أنا سأحتفظ بساعة هاتفي النقال على التوقيت القديم وأضيف ساعة إلى ساعة يدي.. (هذا هو الرجل الفذ الذي أتى بالحل)..

هكذا ترى أن المواطن البسيط ليس مهتما بشكل كبير بمسألة الأسباب والدوافع، بقدر ما هو مهتم بمشكلة ساعته ومواعيد القهوة خاصته. أما أنصاف المثقفين خاصتنا فد ارتموا مباشرة في أحضان انتقاد المسألة على اعتبار أنها لن تفيد في شيء، وهذا فقط لأن المسألة مقترح حكومي..

يا جماعة، ما ليس لكم علم بأسبابه و بمردوديته فليترك المجال لأصحابه ولا داعي للجعجعة!

كم تساوي 9 ضرب 7 يا ترى؟

classe

كنت أتساءل دوما عن سر النظام التعليمي في مصر، والذي يسمح لطالب أيا كانت قدراته أن يحصل مجاميع تصل إلى إلى 99%.. فتجد طالبا يكاد يشد شعره لأنه حصل على 89% فقط وهذا لن يؤهله قط لدخول كلية الباذنجان، بينما تجد الطالب الثانوي هنا بالمغرب يكاد يقتل نفسه ليتجاوز 16/20 وهو ما يوافق 80%.. وأنا هنا أتحدث عن الطلبة المتفوقين جدا!
حسنا.. ما أثبت ظني بأن هنالك شيئا ليس على ما يرام، هو خبر طريف قرأته على موقع جريدة الوفد المصرية.
يفيد الخبر بأن 315 طالبا جامعيا من كليات القمة المصرية (الهندسة والحقوق والآداب والطب البيطري والعلاج الطبيعي والسياحة والفنادق والعلوم والزراعة)، قد لبوا عرضا لاجتياز مباراة للعمل بإحدى صالات القمار.
لن نناقش هنا المبدأ أصلا (العمل في صالة قمار)، بل سنناقش مسالة فشل 260 طالبا جامعيا في اجتياز هذه الاختبارات. سنناقش مسألة حصول أكثر من 88 متقدما على صفر كامل الاستدارة. سنناقش انسحاب أكثر من 50 طالبا.. سنناقش فشل33 طالبا في الحصول علي أكثر من 10 من 50.. سنناقش فشل الغالبية العظمى في الإجابة على أكثر من نصف الأسئلة المطروحة.
لا داعي لتذهب رؤوسكم بعيدا.. لم يكن يتعلق الأمر بامتحانات معقدة أو أسئلة رياضية من قبيل حساب مثلثات معقد، أو مسائل ذهنية صعبة.. يتعلق الأمر فقط بجدول ضرب بسيط عادي من رقم 2 إلي 12.
هذا يسمى تأثير الآلة الحاسبة..
1+1 تساوي كم؟.. أي!! نسيت آلتي الحاسبة، ولكنني أرجح انها تساوي 2.. لقد قمت بهذه العملية أمس على الآلة لو كنت أذكر!
كنت أظن أن التعليم المصري أفضل حالا من نظيره المغربي. أفهم تماما أن فضائح طلبتنا المغاربة قد تكون أفظع في امتحانات مشابهة، في ظل التدهور التعليمي الحالي.
إن مصدر قوتنا كعرب هي عقولنا التي تصنع الفارق مع ضعف إمكانياتنا.. فإن أخذت منا قوتنا، فما الذي سيبقى لنا؟

الرياضة المغربية.. الضربة القاضية..

marocghana.jpg

كنت قد قررت مشاهدة آخر مباريات المنتخب المغربي في جو جماعي يذكرني بأيام ماضية.. أيام الدارسة، حيث كتبت سنة 2004 :

الكرة.. تلك الساحرة المستديرة التي لطالما حركت الأفئدة و أهاجت المشاعر..
اليوم اقتنعت أنها أكثر من مجرد لعبة أخرى..
أكثر من مئة زوج من العيون متعلقة بشاشة واحدة.. بكرة واحدة.. بفريق واحد..
حجزت المقاعد في مقهى العهد منذ الثامنة صباحا..
الكل يضع وريقة صغيرة فوق كرسي ما كنوع من الحجز المسبق..
حتى كراسي المقصف المجاور لم تعد كذلك.. و انتقلت إلى حرم المقهى..
و حتى الطاولات لم ترحم، و تحولت إلى مقاعد إضافية بقدرة قادر..
الثانية عشر و النصف.. المقهى ممتلىء عن آخره..
الأوكسجين منعدم، و الواقفون أكثر من الجالسين..
و لو كان بإمكان البشر التعلق بالسقف كالخفافيش لفعلوا..
و تبدأ المباراة..
و تتحرك المشاعر مع كل محاولة تهديف..
و تهتز الافئدة مع كل محاولة ضائعة..
لحظات رعب فائق و الكرة في منطقة خطر فريقنا..
يخيل لك أن الكل هناك.. يلعب على أرضية الملعب..
الكل يلعب بصراخه .. بهتافه.. بتصفيقاته الحارة..
و فجأة.. و كحلم طائر.. أتى الهدف..
تزعزعت الجدران من هتاف الحناجر..
يخيل لك أن لهيب العناقات الحارة يلفح وجهك في ضراوة..
حينها.. حينها فقط، تكتشف حلاوة اللعبة..
تنفض عنك مظاهر الرزانة لترقص فرحا..
و تدمع عيناك و انت تصفق و تغني مع الاخرين بصوت واحد و نفس واحد..
فيال روعة الفرجة الجماعية..

فتعالوا الآن نتحدث عن الهراء الجماعي الذي عشناه جميعا في مقهى بالدار البيضاء..
كان الجميع يجلسون ممنين أنفسهم بصحوة الأسود (المدللة) لتعود إلى المنافسة من جديد. والحقيقة أن أسودنا تحولت إلى قطط وديعة أمام إصرار فريق يلعب ولا يمزح.
في البداية وجدت كل الكراسي ممتلئة والواقفون أكثر بمراحل من الجالسين..
مع الهدف الأول الذي مني المنتخب به، وجدت نفسي جالسا متمتعا بأربعة مقاعد فارغة بجواري..
مع الهدف الثاني، كان الأوكسجين قد ملأ المقهى مجددا ووجدنا متنفسا لنا..
تزايد الحماس مع تسجيل أول هدف لنا، ثم قتل تماما مع تلقينا للهدف الثالث، ليتحول اللقاء بالنسبة لي على الأقل إلى مهزلة تستحق الفرجة وتثير هستيريا من الضحك..
أجل، تحولت على معتوه آخر يضحك مع كل جرة كمان تعزفها قدم لاعب من لاعبينا، ومع كل محاولة خرقاء..
وحينما تحول الأمر إلى مباريات للخيال العلمي، كاد يسجل بها الخصم بضربة مقض خلفية، ولقطة أخرى اخترق خلالها المهاجم (أغوغو) دفاعنا كالورق، هنا كدت أستلقي على الأرض مهلكا بالضحك.. ناهيك عن مشهد لاعب غاني يخرج محمولا على نقالة بسبب ضربة من مؤخرة أحد لاعبينا.. (الحصول.. ضحكنا مزيان!)..

لا بأس إذن.. بعد وفاة التنس منذ مدة، والانتحار الأخير لألعاب القوى، تأتي كرة القدم لتنهي المجزرة وتعلن رسميا أن المغرب أصبح صفرا كامل الاستدارة في المنافسات الرياضية..

المهم في هذا كله، هو أنني أعجبت جدا بتلك الروح العربية القومية العالية التي يتمتع بها المعلق التونسي الرائع (عصام شوالي) والتي لا أدري لماذا لا يتمتع معلقونا بعشرها حينما يتعلق المر بالمنتخب التونسي أو المصري مثلا.. حيث تجدهم يعلقون وكأن فريق العدو هو من يلعب.
هناك توجه منتشر بكثرة هنا في المغرب مفاده أنه من الأفضل أن تنهزم مصر وتونس أمام أي منتخب إفريقي أو عالمي آخر.. والسبب، حسب مزاعم المعتنقين هو أنهم (فيهم العياقة)، وخصوصا المصريين..
يا سيدي الفاضل.. إذا كنت تعتبر التعبير، وإن كان مبالغا، عن الحب للوطن والانتماء مجرد “عياقة”، فأتمنى لو كنا “عايقين” بدورنا.. ولو كان منتخبنا كذلك لما خسر بهذه الطريقة التي تدل على اتعدام روح الوطنية.. (بالدارجة.. ما فيهومش النفس لي عند المصريين)..
على العموم سأعود لموضوع الإحساس الوطني هذا في تدوينة مفصلة لاحقة، لأنه يحتاج تفصيلا أكبر، ووقتا لا املكه حاليا للأسف..