أرشيف ‘غبار الزمن’ التصنيفات

يوميات بيزو خانز (2)

سابقا في مذكرات طالب مهندس: يوميات بيزو خانز (1)

هذا يومك الثاني بالمعهد..
استيقظت مبكرا كي تخرج قبل أن يستيقظ الوحوش.. دغدغ الهواء البراد رئتيك، و…
ما سبب نظراتكم المتسائلة هذه؟
تتساءلون عما حدث بالأمس.. حيث توقفت الحلقة السابقة؟ الحقيقة أن هذا نوع من الفضول الحميد..
لقد ظننتَ الأمرَ لا يهم سوى من يعيش الحدث.. لا يهم سواك.. أنا أيضا ظننت ذلك..
على العموم لم يحدث شيء ذي بال.. اللهم إلا خمس أو ست طلبة جدد استحموا بالخراطيم المائية.. وآخرون مارسوا رياضة السباحة البرية فوق العشب.. وآخرون رسموا حرف بيتا بأجسادهم فكاد بعضهم يهشم عظامه.. الروتين المعتاد كما تلاحظون..
لكنك لم تجده معتادا حينها.. لم يكن روتينا، ولا أشياء مبهجة كما هي بالنسبة لي الآن.. الحقيقة أنني وأنت رغم كوننا نفس الشخص، إلا أننا مختلفان جدا.. دخلت أنت إلى المعهد وخرجت أنا.. خلال الأربع سنوات التي أمضينها معا، كنت تختفي أنت لأظهر أنا ببطء.. فلندع الأحداث تظهر الأسباب.. فلنتابع السرد..
* * *
مرعب!
مشهد مرعب حقا!
العشرات من العيون الملتصقة بك..
تلك الجدران الآدمية التي تتطلع إليك من عل، وأنت جاث على ركبتيك مجبرا، وتضع أصبعك الوسطى فوق أرنبة أنفك في وضع بذيء شهير..
إنه لمشهد مرعب حقا بالنسبة لشخص حديث لم تسخن قدميه موطئهما بعد بالمعهد..
حينما سحبك ذلك الطالب القديم من ذراعك أوقفك أمام دزينة من القدامى الذين كانوا يرمقونك كأنهم يرون مخلوقا فضائيا.. أجبرك على الوقوف على ركبتيك.. ثم…
- “هيا! قم بالتحية!”
قالها أحد الملتفين بك و هو يحاول أن يخرج عينيه من محجريهما على سبيل الإرعاب.
- “السلام عليكم ورحمة الله..”
قلتها أنت كمن أدى واجبه في الحياة..
يضحك البعض.. يبتسم البعض الآخر.. في حين يحتقن وجه السائل وهو يحاول كتم ضحكته كي لا يخرج من الدور.
يقول مجددا:
-”التحية أيها المتحذلق!”
يأخذ ذراعك الأيسر ليلفه من فوق رأسك، ثم يطالبك بأن تضع pi.png .. لقد ظننتَ أنك انتهيتَ من عالم المفتونين بالرياضيات كالمجانين، لكن هؤلاء أثبتوا لك العكس. تكتشف بعد ذلك بأن pi.png هذه ما هي إلا وضع الوسطى بشكل زاوية قائمة مع باقي الأصابع في وضعية بذيئة، ثم وضعها فوق أرنبة أنفك. تتساءل عن الوضع لو كان المطلوب هو ( Ω ).. هل سيكون عليك أن تكسر أصابعك؟
مستوى نظر غريب.. إحساس بالدونية تذوقه لأول مرة بحياتك..
أنت هناك، تحت مستوى بصر الأغلبية.. هم هناك، وليسوا بحلاقين كي تفسر انخفاض رأسك بمبرر كهذا. أنت منخفض لأنك مجبر.. لا شيء غير ذلك.. يا لها من مهانة!
تصرخ بأعلى صوتك: «Salut mes anciens supérieurs!!».. *
صرختك تحمل كل مشاعرك المتناقضة.. ذل.. ثورة.. سخط.. خنوع..
كم هو رائع هذا الصراخ.. لولاه لفقدت أعصابك.. لولاه لانقضيت تقضم أنف أحدهم.. ذلك الأنف الذي بدؤوا جميعا يحشرونه في شؤونك الخاصة وهم يسألونك بوقاحة.. إن مخترع هذه الصرخة لشخص عظيم.. شخص أنقذ ثلة من أنوف الطلبة القدامى التي إن لم تقضم لكانت ستهشم..
- “إنه ولد مطيع!”
يقولونها ويتركونك تذهب غير عالمين بما تضمره نفسك.. لقد قررت أن تعذب بعضهم مهما كلفك الثمن.. أجل! تلك النوعية التي تتمتع بتلك السلطة التي تمارسها عليك.. كيف يمكنك أن تفعل ذلك؟ هذا ما لا تعلمه بعد.. لكنك لن تعدم الوسيلة حتما..
تعلمت من ذلك الموقف أنك بقليل من التعامل الذكي بإمكانك أن تتجنب العديد من المشاكل.
ثم كان عليك أن تمر بلجنة (عبد القادر).. إنه طالب من القدامى أيضا.. ورغم أنه أوقفك إلى جانب بعض زملائك الجدد على ركبتيك أيضا، إلا أن نوعية حديثه كانت مختلفة.. كان يتحدث عن ثلاثية القوى بالمعهد: قوة الإدارة، وقوة الأساتذة، وقوة الطلبة.. تحدث عن ضرورة أن نكسب الأساتذة في صفنا لأنهم القوة العظمى.. لقد أثبتت الأيام لاحقا أننا كسبناهم بالفعل.. فقد كانت تلك السنة المباركة هي سنة المجزرة التي طرد فيها 18 طالبا، وكرر 24 السنة الأولى.. والله أعلم بما حدث بالنسبة لباقي السنوات.. سنعود إلى الموضوع لاحقا.. أما الآن فلتستبسل في تحمل الأخ (عبد القادر) لأنه كان يتحدث عن أشياء مهمة بالفعل..
وصلت الغرفة أخيرا بعد العديد من الكمائن ومحطات التفتيش والمراقبة و(البيزوطاج).. تتطلع إلى الأمتار المربعة الثلاثة.. لا بأس! لا بأس على الإطلاق! لا ينقصها سوى الحمام الفردي و(الدوش).. ذلك (الدوش) الذي اكتشفت أنه جماعي أكثر مما يجب.. فلا توجد هنالك أبواب تفصل الواحد عن الآخر.. صباح العري المكشوف!
وفي المساء.. تستلقي فوق السرير.. ذلك المعشوق الأبدي الذي لم تحب من قبل أحدا بنفس مقدار حبك له.. مريح!! وجديد أيضا!! انتهى عهد الأرجوحة الصيفية التي يسمونها مجازا بالسرير، في الأقسام التحضيرية.. هذا سرير صلب ذو نوابض حقيقية أخيرا..
تشغل شريطا موسيقيا.. الأخ (صابر الرباعي) يصرخ: “خلص تارك! طفي نارك! ملي شفتو قبل مني…”
يبدو أنه يدرس بمعهد به (بيزوطاج) هو الآخر! فهنالك دوما ذلك المنطق الذي يتخذه القدامى: “أنا أمارس (البيزوطاج) لأنه مورس علي من قبل”.. نوع من الانتقام ممن سبقوك.. هكذا كنت ترى الأمور.. أنا أعرف الآن أن الأمر ليس كذلك دوما، لكنك حينها كنت حديثا، غير ناضج، لا تعرف العديد من الحقائق.. لا أحد يلومك يا صاحبي..
إنه صراخ.. إن مصدره قريب جدا.. تطفئ جهاز تشغيل الأشرطة.. تقفز إلى الباب فتغلقه بلفتي مفتاح كاملتين.. لو كانت هنالك لفات أخرى لقمت بها حتما.. منعت نفسك بصعوبة من أن تضع السرير وراء الباب.. تبتسم في قرار نفسك لهذا الفكرة المرعوبة.. لكنك تتساءل بالفعل إن كانوا قد يصلون إلى حد تهشيم الباب لو لم تفتح.. إن كم الأشياء المرعبة التي سمعتها عن (البيزوطاج) وما يمارس به لكفيل بأن يجعلك تعيش في رعب دائم.. الصراخ يرتفع.. يبدو أن هنالك شجارا ما.. وهو قريب جدا.. ربما هي الغرفة المقابلة أو التي تجاورها..
تضع أذنك على الباب كي ترهف السمع وقلبك يدق بسرعة ألف دقة لو كان شيء كهذا ممكنا.. ثم اصطدم شيء ثقيل باب الغرفة بقوة غير عادية.. وقفزت إلى الخلف كأن الضربة كانت في وجهك مباشرة…

————————————————————-

* تحية لرؤسائي القدامى!

يوميات بيزو خانز (1)

ليلة أكثر سوادا من كحل العيون قضيتَها في الطريق من بلدتك الصغيرة إلى الرباط. حافلة يفترض بها أن تكون مريحة! لكنك دفعت ثمن هذا الافتراض غاليا.. دفعته على شكل مقعد لا ينثني، يجعلك تجلس كالبوم طوال الطريق.. دفعته على شكل محرك لا يكف عن العويل مضيفا مؤثرا صوتيا فذا ساهم في رسم سيمفونية الأرق التي تمتعت بعزفها لا محالة.

تصل إلى الرباط مهشم الأوصال. تبحث عن يدك اليسرى فتجدها وراء قفاك مباشرة.. تبحث عن كوعك فتجده مدفونا في بطن رفيقك بالرحلة، في حين يخرج هو يده اليسرى بصعوبة من فمك. تكتشفان أنكما بحاجة إلى دليل (Catalogue) لإعادة تركيب أشلائكما.

أمامكما الآن إحدى مهام (سيزيف) البطل الأسطوري: حمل جبال الأمتعة التي أحضرتماها معكما وكأنكما مهاجران من (تمبكتو)، والوصول إلى المعهد الذي ستبدآن به دراستكما.. “المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي”. لم تكفا طيلة الطريق عن الحديث عن (البيزوطاج) وعن الأساطير التي تحاك حوله، والتي شنٌفت آذانكما من مختلف المصادر. لذا توقعتما أياما أسود من كل قلوب كفار قريش مجتمعين.

تركبان سيارة شحن صغيرة، كان صاحبها الوحيد الذي قبل أن ينقلكما دون أن يحطم جيوبكما. أنتما أذكياء جدا، لذا تطلبان منه التوجه إلى بوابة الداخلية مباشرة وأنتما متأكدان أن الآخرين، الأغبياء، سوف يتجهون إلى الباب الرئيسي ثم يدخلون. لقد كانت لديكما معلومات أكيدة أن التسجيل يكون في باحة الداخلية. أنتما أول من يصل لدهشتكما، والساعة قد قاربت الثامنة إلا ربع. توقعتما أن تجدا طوابير طويلة كما حدث أول مرة في الأقسام التحضيرية، ولكن لا شيء.. الخواء هو عنوان اللوحة.. لا طلبة ولا موظفين ولا قطط حتى..

ترجعان الأمر إلى أن العقلية (الرباطية) ستكون مختلفة حتما عن عقلية منطقتكما.

تجلسان فوق أحد المقاعد الحجرية التي تعانق الجدار على طول البناية اليسرى من المدخل، وتنتظران أول الوافدين الذي لن يكون سوى أحد القادمين من مركزكما حتما.

وقد كان.. إذ دخل (عثمان) من البوابة مجاهدا في جر أمتعته.

عناق.. فالقبلة الرباعية الشعبية الشهيرة الشنيعة.. ثم تجلسون لتتسامروا حول الموضوع الشائق الشائك الذي يشغل تفكيركم جميعا: (البيزوطاج) طبعا.

يخرج رجل نصف حليق من بوابة بناية الداخلية..

طول بعرض بكرش بارتفاع.. هذا هو الوصف المناسب له. يتطلع إليكم بنظرة غريبة، ثم يتجه نحو (عثمان) مباشرة، و يغمغم بصوت متحشرج:

- ” أعطني أوراقك !”

يتطلع إليه (عثمان) باستهجان، ثم يبتسم بسخرية قائلا:

- “أعطني أوراقك أنت أولا!”

يعقد الرجل حاجبيه في ما يشبه الغضب، ويقول:

- “لا تريد أن تتم التسجيل؟”

- “ليس بعد! سأنتظر أن تفتحوا المكتب أولا..”

- “أنا من سيقوم بذلك أصلا..”

- “لا بأس.. أعطيني علامة.. إمارة.. رخصة قيادة.. ورقة رمادية.. أي شيء…”

- “تهرج؟ حسنا.. لن تتم تسجيلك لهذا اليوم!”

- “هذا ما سنراه!”

يحملق الرجل نصف الحليق فيكم بنظرة شذرة تبادلونه إياها بأخرى مشمئزة، فيترككم ويرحل متوعدا إياكم بالعودة لاحقا.

هو طالب إذن كما توقعتم.. ياللهول!! لو كانت هذا الفحل كله طالبا، فكيف سيكون مسئولو وإداريو المعهد؟ عمالقة أسطوريين؟

يعقد الرجل حاجبيه في ما يشبه الغضب، ويقول:

- “لا تريد أن تتم التسجيل؟”

- “ليس بعد! سأنتظر أن تفتحوا المكتب أولا..”

- “أنا من سيقوم بذلك أصلا..”

- “لا بأس.. أعطيني علامة.. إمارة.. رخصة قيادة.. ورقة رمادية.. أي شيء…”

تهرج؟ حسنا.. لن تتم تسجيلك لهذا اليوم!”

-”هذا ما سنراه!”

يحملق الرجل نصف الحليق فيكم بنظرة شذرة تبادلونه إياها بأخرى مشمئزة، فيترككم ويرحل متوعدا إياكم بالعودة لاحقا..

هو طالب إذن كما توقعتم.. ياللهول!! لو كانت هذا الفحل كله طالبا، فكيف سيكون مسئولو وإداريو المعهد؟ عمالقة أسطوريين؟

تصل في تلك اللحظة فتاة ترافقها والدتها وتجر معها حقيبة مرعبة الحجم. تسألكم الأم إن كان التسجيل قد بدأ، فتجيبون بثقة أن “ليس بعد!”. هنا يخرج طالبان آخران لا يزال العمش يطمس عينيهما. يتطلعان إليكم في دهشة، ثم يسألانكم إن كنتم قد أتممتم التسجيل بالخارجية أولا. تحركون رأسكم نفيا بشمم لم يتمتع به اللورد (كرومر) نفسه، فيبتسمان في سخرية، ويشيران إلى الطريق الداخلي المؤدي إلى الخارجية.. يشرحان المسألة لكم في بضعة كلمات لطيفة تذيب حاجز التوتر نحوهما، لكنها ترفع من حاجز الإحساس بالغباء إلى سقفه العلوي.. التسجيل يتم بالخارجية أولا.. يالهول!! ستجدون شعبا هناك..

تهرولون جميعا إلى المكان تاركين أمتعتكم بيد الله (لا أتحدث هنا عن الوزير السابق طبعا). وكان ما خشيتموه.. كان مدرج صغير شبه ممتلئ ينتظركم.. تدخلون وأنتم تتوقعون أنكم لن تخرجوا قبل الظهيرة على أحسن تقدير.. إلا أن المفاجأة السعيدة كانت بالانتظار: التسجيل كان يتم بالترتيب الأبجدي.. هذا يعني أن كل من بدأ لقبه بحرف “Z” قد حكم عليه بالإعدام مللا، و بأن تصل لحيته إلى الأرض بانتظار دوره. إنه الغباء الإداري في أشنع صوره..

كان رفيقك (عبد الله) هو أول من استفاد من ذلك الغباء، وخرج وهو يحييك بابتسامة من نوع “لقد سبقتك”.. فتجيبه بدورك بابتسامة من نوع “تبا لك!”..

وحينما تتم العملية بدورك، تهرع لتلحق بما تيسر من غرف مناسبة.. و هناك، في ممر ضيق يفصل الملاعب عن باحة الداخلية.. حيث صواريخ الهواء التي تقتلع صدرك وأنت واقف.. هناك كان (عبد الله) واقفا على ركبتيه وهو محاط بأكثر من ستة طلبة قدامى.. إنه أول ضحية لهذه السنة كما ستعرفون فيما بعد.. هذا هو ما يسمى بحظ الدجاجة.. تظهر أولا، فتذبح أولا!تتظاهر بأنك الرجل الخفي، وتمر بجوار الجمع المنشغل وكأنك غير معني بالأمر. ولدهشتك لا يهتم أحدهم لأمرك وكأنهم انغمسوا تماما في ما يمارسونه على صديقك من أوامر.

تجد مجموعة أخرى من الطلبة الجدد قد بدأت عملية التسجيل بالفعل، غير عالمين بما يحصل بالجوار، وإن كان جو من التوتر مخيما على المكان.. تضع أوراقك في مجموعة صف الانتظار، وتحاول أن تتوارى عن الأنظار بجوار شجرة (مزاح) كبيرة.

- “(بيزو).. تعال إلى هنا يا (بيزو)!”..

إن أحدهم ينادي على المدعو (بيزو)..

- “(بيزو) نظارات.. أنا أتحدث معك!”..

أنت الوحيد الذي يرتدي نظارات في المجموعة الواقفة، لكن من قال أن اسمك (بيزو)..

تتظاهر بأنك أعمى أصم أخرس أحول لو استدعى الأمر.. إلا أن تلك اليد التي توضع على كتفك، وذلك الوجه الذي يطالعك بابتسامة كريهة، وصاحبه يسحبك خارج الجماعة، ويتوجه بك إلى مجموعة من الطلبة القدامى.. كل هذه المظاهر تعلن لك بوضوح أنك قد وقعت!

تابع القراءة: يوميات بيزو خانز (2)

(سمير).. (سمير).. أشياء مشابهة..

سابقا في مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية:
مقدمة مملة لابد منها
مسار الأف ميل:خطوة البداية (1)
مسار الألف ميل: خطوة البداية (2)
جولة سياحية معتبرة(1)
جولة سياحية معتبرة(2)
جولة سياحية معتبرة(3)
يوم أول!!

دخلنا الفصل لأول مرة.. هناك طاولات منفصلة وكراسي فردية أكثر انفصالا..
حمدا لله! إنتهى عصر المكراسي الخشبية القصيرة المزدوجة الملتصقة بالطاولات، تلك التي لا تسع لا ركبنا ولا مؤخراتنا.. كراسي تعودنا عليها منذ المدرسة الإبتدائية، مرورا بالإعدادية وانتهاء بالثانوي.. وهذه الأخيرة بالذات عرفنا فيها أحد أهم أضرار النمو الجسماني.. لقد اعتبرنا هذه الكراسي دوما إحدى الطقوس التربوية التي لا يمكن الإستغناء عنها.. لذا يمكنك أن تفهم فرحتنا غير المبالغ بها، واغروراق عينينا بالدموع حينما وجدنا كراسي تحترم أجسامنا أخيرا..
كنا أربعة من الشلة إياها بنفس الفصل.. كان ذلك رائعا لاننا لم نكن بحاجة إلى الجلوس منفردين كالقردة نتطلع إلى الآخرين بترقب.. كنا قد خلقنا مجالنا بمجرد أن وضعنا أقدامنا بالفصل..
ثم…
تبا!!
ليس مجددا!
إنه هو!
أكاد أقسم على ذلك..
لكزت (عبد الله) بمرفقي، لكنه كان غارقا في الحديث مع الآخرين.. أعدت اللكزة بقوة أكبر حتى كاد مرفقي الرفيع يخترق جانبه.. هنا انتبه إلي مجبرا..
-” إنه هو..”
قلتها بنبرة يائسة..
-”من؟”
-”جهاز الراديو المتحرك..”
-”من!؟”
ألقى نظرة حيث أشرت، فحرك رأسه إيجابا وقال بنبرة من رضي بالقضاء والقدر:
-”إنه هو بالفعل..”
يقولون أن الفرنسيين أسرع وأكثر أهل الأرض حديثا.. لكن هذا الشاب، الذي سندعوه هنا (سمير) أثبت لي بما لا يدع مجالا للشك أن المغاربة يمكنهم انتزاع اللقب بسهولة..
التقيناه لأول مرة حينما أتينا لتقديم شهادة الباكالوريا في بداية الصيف.. كان وحيدا.. جالسا بجانبي و(عبد الله)، بجسده الضخم ومحفظته الجلدية الأضخم.
لست أذكر من بدأ الحديث، لكنني لن أغفر لنفسي أو لـ(عبد الله) ما حييت لو كان أحدنا من فعل.. فقد كان ذلك إيذانا ببدء قناة (سمير) الإذاعية المتحركة..
استبسلنا بتحمل الأمر ما يقارب الساعتين ريثما نتمم إجراءات التسجيل ونفر بجلودنا.. وحينما أتت لحظة الأمل بالخلاص، أطلق (سمير) آخر مدافعه المبيدة للبشر بأن أصر، وكاد يحلف أغلظ الأيمان وأرفعها، بأنه ولابد مرافق لنا في جولتنا بأكادير لهذا اليوم..
أمام شخصية كاسحة كـ(سمير)، لا يمكنك أن ترفض شيئا.. ليس لأن شخصيتك ضعيفة، أو أنك لا تملك الحزم الكافي للرفض، بل لأنه يحرمك حتى حق التفكير بأن يمتص الأوكسيجين من محيطك ويخنقك ويصيبك بصداع قاتل، تصبح معه مجبرا على الموافقة فقط كي يخرس قليلا.. لكن أملا كذلك كان بعيد المنال..
أخَذَنا في البداية إلى مقر إحدى الجمعيات ذات الأسماء مرعبة الطول من طراز: “الجمعية الرياضية الثقافية الإجتماعية لرعاية الطفولة المحرومة والرجولة المفقودة اقتصاديا وسياسيا وسوسيو ثقافيا”..
إن سمير من الجنوب.. لكن لديه معارف بالميدان الجمعوي والحزبي أينما ذهب..
أذكر من ضمن شلال المعلومات الذي سكبه في آذاننا أنه عضو ببرلمان الطفل.. كنت قد نظرت إليه حينها باستهجان وأنا أزن عرضه قبل طوله.. لو كان هذا الفتى كله طفلا، فلا بد أنه كان في جسد يافع حينما ولد مباشرة..
طبعا لم أخبره بهذه الملاحظة لأسباب يطول شرحها.. وعلى العموم هو لم يكن يعطينا فرصة للتنفس فما بالك بالحديث..
وأخيرا حدثت المعجزة وافترقنا.. ويمكنك أن تقول بضمير هانئ أننا فررنا تقريبا بعد أن ابتدعنا جميع أنواع المسببات وتذرعنا بأشنع الذرائع..
قلت لعبد الله ونحن نكمل طريقنا فوق الرمال ونستمتع بنعمة السكون:
-”هل تسمع؟”
أجابني مباشرة:
-” الطنين..”
-”هو ذاك”..
صدقوا أو لا تصدقوا.. كان هناك طنين بآذاننا يشبه تماما ذلك الذي يلي الجلوس بجوار مكبر صوت قوي في عرس من الأعراس، حيث يتمتع المغني بخرم طبلة أذنك بصوته الشجي، وأغانيه الشعبية الفذة..
تفهمون الآن سبب حالة الإحباط التي أصابتنا حينما وجدنا الفتى معنا في نفس الفصل. إن أشنع كوابيسنا كان قد تحقق أخيرا.. ظننته لن يتواجد لفترة لا بأس بها لأنه سيظطر للسفر إلى أمريكا لسبب من الأسباب الجمعوية الحزبية الخرافية تلك.. لكنني اكتشفت فيما بعد أن شلال الحديث ليس موهبته الوحيدة.. و أنه يتمتع بموهبة استعراضية فذة من طراز “انظروا إلي”..
رغم كل شيء.. ورغم عيوب الفتى الفذة، فأنا مقتنع، وربما أكون الوحيد، أن الفتى طيب القلب.. ولقد كنت أحد أصدقائه القلائل دوما.. فهل كان يعتبرني كذلك؟

* * *

دخل الأستاذ الفصل أخيرا.. وكأي أستاذ رياضيات يحترم نفسه، كان أرفع من عصى مكنسة.. ولم يكن يهتم بمظهره كثيرا، لدرجة أنه في فترة من الفترات كان يترك لحته تنموا بشكل مجعد دائري غير عادي.. ولو فصلت رأسه عن جسده حينها فستجد صعوبة بالغة لتعرف مكان شعر الرأس من شعر الذقن..
كان مدخنا حريفا..
كان قاطرة بخارية قديمة..
بل كان كبركان (كيليمانجارو) ذاته..
لم يكن يدخن النيكوتين، بل يأكله.. فلم أر بحياتي من ينهي سيجارة حتى العقب في أربع أو خمس شفطات سواه..
كلما استعصى عليه برهان ما، يخرج لدقيقتين أو ثلاث كي يمتص سيجارة، يرمي العقب من الرواق نحو ساحة بالأسفل، ويدخل ليجد الحل مباشرة.. ولكم أن تتصوروا فراش أعقاب السجائر الذي كان يكسوا المنطقة التي يرمها بها.. هذا لو تبقى منها شيء أصلا.. لو كانت الأعقاب تبتلع، لفعلها الرجل بدون تردد..

حين ننام كأجولة البطاطس

يوم أول!!

قد بدأت أقدامكم تتورم من طول الجولة.. أعرف ذلك.. كما بدأت أملها أنا أيضا.. والدليل أنني أتعذب لكتابة هذه الحلقة.. لذا قررت أن أنهي الجولة هنا على الرغم من أننا لم نكلمها بعد.. سأدعكم تكتشفون باقي الأمكنة رويدا رويدا..

سابقا في مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية:
مقدمة مملة لابد منها
مسار الأف ميل:خطوة البداية (1)
مسار الألف ميل: خطوة البداية (2)
جولة سياحية معتبرة(1)
جولة سياحية معتبرة(2)
جولة سياحية معتبرة(3)

انتهى جو الاستجمام الذي حظينا بها نهاية الأسبوع قبل بداية الدراسة.

إنه اليوم الأول.. كل شيء يبدو جديدا غريبا.. كأننا في أضغاث أحلام..

استيقظنا بقوة الإرادة فقط في السابعة صباحا.. هبطنا للفطور بعد التزود بالسكين الأثرية..

حقا!! لم أحدثكم عن هذا بعد..

كان لنا الحق في الحصول على غطاء من النوعية التي استعملها الجنود أيام الحرب العالمية الأولى.. ذلك النوع من الأغطية التي تقاوم البصق عليها بصعوبة، فما بالك لو أخبروك أنك ستتدثر بها. لقد أحضر كل منا أغطيته ومخدته معه، إلا اللذين كانوا يملكون تصورا ورديا عن المكان.. وهؤلاء كان سيصبح لديهم تصور أسود من البترول عن أ/راض الجلد والحساسية لو لم يسارعوا باقتناء أغطية مناسبة.

الشيء الوحيد الذي كانت تصلح له أغطية المركز هو الفرش على أرضية الغرفة، وقد كانت هذه جريمة يعاقب عليها القانون المدني في المركز -ممثلا بـ(بعبول)- بالحرمان من هذه الهبة الرائعة.. وهو الشيء الذي لم نكن نبالي به كثيرا لو لاحظتم.

كانت هناك أيضا المخدة المقرفة التي لو وضعت عليها وجهك فلن يكفيك بعدها غسل خدك بماء النار (الماء القاطع) كي تشعر بالنظافة من جديد.

ثم هنالك الإزار الأبيض الذي لم يعد كذلك، والذي ينطبق عليه نفس تأثير المخدة..

أما الهبة الفريدة التي أنعموا علينا بها، فهي شوكة وسكين من العينة التي استعملها أبرهة الحبشي قطعا في يوم من الأيام.. هل تعرفون ذلك النوع من السكاكين الذي يمكنك أن تحاول قطع شرايينك به بأقصى قدر من الأمان؟ ذلك النوع الذي يفشل في تقطيع زبدة ساخنة؟ كان هذا إحداها..

ونظير هذه الخدمات الرائعة طبعا، كانا مجبرين على دفع مائة درهم، أي ما يعادل اثنتي عشر دولارا ونصف تقريبا، ككفالة.. وهذا بغض النظر عن كوننا أخذنا هذه الأغراض أم لم نفعل.. وعند ضياع الشوكة أو السكين مثلا فيمكنك أن تقرأ سلامك للكفالة بأكملها.. أما لو تسببت بضياع شيء أكبر حجما فحينها ستدفع ثمنه زيادة على الكفالة بالعملة الصعبة طبعا..

تفهمون الآن لماذا لم نعد نأخذ السكين أو الشوكة إلى المطعم.. إنهما من النوع الأثري الذي يصعب إيجاده في السوق.. لذا لا داعي للمخاطرة.. إن اثنتا عشر دولارا تساوي خمسة كتب جيدة في نهاية السنة الدراسية..

إن المتحمسين لحمل السكاكين يدفعون ثمن ذلك غاليا في الفطور بالمطعم حينما يبدؤون بالبحث عنها بعد إقراضها مجبرين لآخرين أمثالي..

اتجهت إلى سلة الخبز، والتقطت نصف رغيف.. ثم رنوت على الطاولة المجاورة حيث وضعت مستلزمات الفطور.. وتتلخص هذه في إناء به مربى، و صحن به قطع ضخمة من الزبدة.. قطع صلبة بفعل البرودة بشكل تحتاج معه إلى شيء أكثر من الإرادة والنوايا الطيبة كي تستطيع دهن رغيفك بها.. وهذا ما يجعلك مجبرا على وضعها متقاربة فقط وسط الرغيف قبل أن تقضمها كالجبن..

أفطرت و(عبد الله) ثم عدينا إلى الغرفة.. لملمت دفترين في حقيبتي الجلدية.. ومن ثم اتجهنا مبكرين إلى الجناح الدراسي..

إن مركز الأقسام التحضيرية يقاسم مدرسة ثانوية المكان.. هذا يعني أن هناك جناح خاص بنا، وجناح خاص بطلبة الثانوي.. لكننا جميعا كن نتقاسم الساحة.. وهذا ما شكل أملا كبيرا لدى الشباب لمصادقة فتيات حقيقيات بدل المخلوقات المرعبة التي كانت تدرس معنا..

قبل أن تبدأ الفتيات بإلقاء الطماطم علي، أو تدخل إحدى المحمسات لترد علي بأنني سافل، أو أي ردة فعل مبهجة من هذا القبيل، أريد أن أنوه هنا أنني أتحدث عن رأي السواد الأعظم من الشباب في تلك الفترة..، ولا أتحدث عن رأي خاص..

أرى عيونا خبيثة، بعضها يقدح شررا، تنظر إلى شذرًا، وتسأل: ما رأيك أنت إذن؟

لن أحاول التهرب من الرد حفاظا على حياتي..

ليس لدي اعتراض حقيقة على الفتيات اللواتي كن يدرسن معنا.. بعضهن يستحق الاحترام والإعجاب معا.. لكن الشيء الوحيد الذي كنت أؤاخذه على أغلبيتهن هو أنهن لا يتبسطن في تعاملهن.. بل كن ينظرن إلينا باحتقار غير عادي.. قد أكون مخطئا أو مبالغا، لكن الغالبية كانت تعاملنا بنوع غير مفهوم من الترفع، وتواجهن أية محاولة للتقرب منهن، ولو على سبيل الزمالة، كأنها محاولة سبي.. و أنا لا أتحدث عن نفسي هنا بالمناسبة، فقد كنت سلبيا إلى درجة غير عادية خلال تلك الفترة بالذات.. لكنني كنت ملاحظا جيدا، ومتابعا خبيرا للأحداث..

وفي نفس الوقت، كانت فتيات الثانوي ينظرن إلينا كأننا مخلوقات خرافية قادمة من كوكب العلم الأوحد.. لذا كان اختيار الشباب واضحا ومبررا..

حان الوقت للدخول إلى القسم!!
لكن هذه حلقة أخرى..

تابع القراءة: سمير.. سمير.. أشياء مشابهة

جولة سياحية معتبرة (3)

سابقا في مذكرات طالب بالأقسام التحضيرية:
مقدمة مملة لابد منها
مسار الأف ميل:خطوة البداية (1)
مسار الألف ميل: خطوة البداية (2)
جولة سياحية معتبرة(1)
جولة سياحية معتبرة(2)

حسنا.. جاء دورنا لتجاوز بوابة المطعم لنلتحق بالطابور الداخلي..

لا تقلقوا.. لن يمنعكم أحد من الدخول لأنكم غير مرئيون.. وهذا يعني أيضا أنه لن يحق لكم الحصول على نصيب من الوجبة.. وهذا حسن حظ أحسدكم عليه..

إن الرائحة مقرفة.. أعرف ذلك.. هذا راجع إلى الخليط غير المتجانس الذي يصرون على أ، يطبخوه هنا.. تصوروا كيف يكون طعم ورائحة الفاصوليا المصبرة حينما يقرر أحدهم طبخها.. لا أستبعد أن نجد يوما سمكا مصبرًا مشويًا..

علي إذن أن أحمل صفيحة حديدية بها فراغات مختلفة المقاسات، من النوع الذي يستعمله المساجين عادة، و أن أتقدم في طابور طويل كي أحصل على تشكيلة من الأشياء التي يصرون على أنها تؤكل.. إن الفرق بين المكان وبين السجن البلدي ضئيل حقا.. ولو كنت ممن لم يألفوا ارتياد المكان لما استطعت أن تفصل بينهما..

المحطة الأولى: (منطقة السلطات، بتشديد السين وفتحها)..

هنا تقدم جميع أنواع السلطات المفتخرة، ولا تنسوا تشديد السين وفتحها كي لا أعاني من مشاكل سياسية .. فمن قطع الخيار الديناصورية المنقوعة في المياه المعدنية إلى قطع الجزر والبطاطس المسلوقة التي لا يمكنك أن تميز جزرها من بطاطسها. وتبقى السلطات على العموم إحدى العناصر القليلة التي تؤكل بضمير مرتاح..

المحطة الثانية: (منطقة أشباه اللحوم البيضاء والحمراء)..

هنا يقدم ما يلي:

- شرائح لحم بقري (مع قدر لا بأس به من الارتياب)، ذات سمك شبه منعدم، ملتصقة بشرائح جلد ذات سمك وصلابة لا بأس بهما بما يكفي للإيحاء بالكم.. والهدف من هذا تقوية أسنان الطلبة وعضلات أذرعهم عبر حركات الشد التي تهدف إلى تجزئة الشرائح لتيسير المضغ..

طريقة الاستعمال: ضع طرفا بين أسنانك، وامسك بكلتا يديك بالطرف المقابل.. ثم شد بكل قوتك نحو الأسفل.. حذار من أن ينزلق الطرف من بين يديك لأن اللسعة التي سيستقبلها وجهك لن تكون محببة إلى النفس. وحين تصل يداك إلى أقصى اتساع لهما دون نتيجة، يمكنك حينها الاستعانة بقدميك لمواصلة الشد.. لذا ينصح بغسلهما مع اليدين قبل الدخول.. كما يمكنك أن تبتلع الشريحة قطعة واحدة لو كنت لا تملك الوقت لهذا الهراء، وتترك للمعدة إكمال البقية..

- كويرات مجهرية من الكفتة مع طن من صلصة الطماطم.. مهمتك أن تبحث عن الكفتة وسط الطماطم لو كنت من أقوياء النظر.. أما لو كنت من ضعافه فابتلع الصلصة كلها فالكفتة فيها لا بد واجد..

- قطع دجاج.. وعلي هنا أن اعترف أنها أفضل أكلة تقدم من حيث جودة الطبخ.. فقط عليك أن تجد قطعة مناسبة يتفوق فيها وزن اللحم على العظم.. وهذا ممكن بشيء من العسر لو كان (عزيز) هو الذي يقدم القطع.. فقط عليك حينها أن تمحو من ذاكرتك مشهد صدره المشعر الغارق في العرق، والذي يصر على إبرازه وهو ينحني ليحضر لك قطعة الدجاج المطلوبة.. اعتبر قطرات العرق هذه كنوع من التوابل أو المخللات لتحسين المذاق.. أما لو لم تكن وافر الحظ فستلتقي بذلك الكهل الذي كره الدنيا وكرهك معها.. حينها لا تحاول أن تحتار القطعة لو كنت من النوع المسالم، فهو يقدم لك ما يريد ويرميه ف صفيحتك كأنه يقتطعها من لحمه الخاص.. ولا بأس بنظرة ازدراء عابرة لإتمام اللوحة.. وفي فترة من الفترات اختفى العجوز لمدة لا بأس بها.. فتساءل أحدهم عن مصيره، وحينما لم يجب أحد قال الفتى أنه يشك في أن اللحم الذي يقدمونه لنا مؤخرا هو لحم الكهل لأنه يبدو هرما بالفعل..

المحطة الثالثة: (منطقة الوجبة الثانوية)

- سواء كانت عدسا أو لوبيا، أنصح بالابتعاد عن المكان.. إن هما إلا سببان أساسيان لتعاظم غازات البطن.. وحينما يأتي يوم منحوس تكون فيه الوجبة الأولى مقرفة، ويقرر الجميع تناول أحدهما، حينها يلتزم الجمع بعدم إشعال أعواد الثقاب أو ما شابه في العنابر خشية انفجار نووي..

- ثم هنالك قطع البطاطس المقلية.. ومع هذه أنت وحظك.. فتارة تكون ذات حجم هائل لكل قطعة، مما يجعلها غير مطبوخة على الإطلاق من الداخل، مع ملاحظة إنك لن تحصل سوى على أربع او خمس قطع على الأكثر.. و تارة أخرى تكون عبارة عن نوع من الفحم الحجري الممتاز، وهذا حينما تحتج على أنها لا تطهى بما فيه الكفاية..

المحطة الرابعة والأخيرة: (منطقة الفواكه وأشباهها)..

هنا تجد، حسب المزاج، في كل مرة فاكهة من نوع ما.. والقاسم المشترك بينها أنها إما غير ناضجة دوما، أو من النوع الذي يتركه الباعة وراءهم بعد انتهاء السوق: تفاح عليه ندوب من مخلفات الحرب العالمية الثانية، أو موز معوق يمكن شربه مباشرة دون مضغه، وأشياء من هذا القبيل..

هذا في وجبة الغذاء.. أما في العشاء فتجد إما كأس زبادي، أو ما نصطلح على تسميته ب(دانون).. وهذا أفضل قطعة كاملة يمكنك الحصول عليها.. غير هذا هناك كأس مياه غازية، أو كأس أي مشروب حليبي.. وطبعا الكأس بلاستيكية تبدو كأنها كانت تستعمل من قبل التتار أيام مجدهم..

وكإضافة مجانية، يمكنك الحصول على (الحريرة)، وهي نوع من الشربات المحلية الثقيلة.. فقط على من شربها أن يصعد لغرفته بأقصى سرعة، ويحضر سريره ويتمدد قبل أن يسقط في غيبوبة النوم وهو واقف.. إن مادة الصودا عنصر أساسي في كل وجبة وذلك كي تطهى بسرعة، لكن الكمية التي يضعونها في الحريرة خرافية بالفعل..

سؤال وجيه: هل يضعون الصودا في المياه الغازية والمواد الحليبية أيضا؟ بدأت أشك بذلك حقا..

حاملا صفيحتي المحملة بما لذ وطاب مما سبق ذكرهن سنتجه للبحث عن وجه من الوجوه التي اعتدت مجالستها.. هاهي ذي الشلة المعتادة وقد اكترت طاولة خاصة بها كالعادة..

أجلس و أتطلع بتقزز إلى الأكل.. أحاول أن أستخلص منه ما يصلح للأكل.. ثم أتطلع إلى السوق البلدي الذي يحيط بي.. نحن المغاربة لا نستطيع أن نجلس لنأكل بهدوء قط، فكل موضوعات الدنيا تناقش على مائدة الطعام.. وهذا لا يعني أننا نتوقف عن الأكل.. إن عادة الكلام بفم ممتلئ هي عادة صحية لدينا بخلاف كل ما يقوله الأطباء المتخلفون..

وكما جرت العادة، لا بد أن نمتع آذاننا بصوت العشرات من الصفائح الحديدية التي يوقعها (الحسن) أرضا كنوع من التقاليد.. لكم أن تتخيلوا قوة الصوت وتردده في قاعة كبيرة كهذه.. يمكننا بشيء من التسامح أن نشبهه بصوت قصف الرعد.. ماذا يفعل (الحسن) بالصفائح؟ طبعا يغسلها بالمياه الساخنة و بمكنسة.. نفس المكنسة طبعا هي المستعملة غالبا لكنس العنابر.. فبالهناء والشفاء يا شباب!

تابع القراءة: يوم أول!!