حينما قرأت عن الموضوع لأول مرة لدى حمود، لم يكن لدي وقت لتحميل الفيديو ورؤيته.. لذا لم تترك كلمات شريف في نفسي أكثر من إعجاب بهذه السيدة.. لكن أن تقرأ شيء، وأن ترى وتسمع شيء آخر..
ألفت مؤخرا أن افطر فوق مكتبي قبل أن أبدأ العمل.. حملت الفيديو، وجلست أمضغ كسرات الخبز ببطء..
على شاشة الكمبيوتر تظهر سوزان.. مشاركة كبيرة السن بدينة مشعثة الشعر البد تبدو بطيئة البديهة بالفعل، ولديها توتر تخفيه بشجاعة رائعة لا تخلو من لمسة عته واضح.. سوزان تتحر على منصة برنامج Britain’s got talent، النسخة البريطانية من البرنامج الأمريكي..
لا زلت أمضغ، والجمهور يضحك.. ولجنة التحكيم تتهكم على المرشحة وعلى سنها.. والمثير أن مخرج البرنامج وضع موسيقى كوميدية مرافقة لحركة سوزان إمعانا في إعطاء التأثير المرغوب.. يسألها سايمون (منتج البرنامج وأحد أعضاء لجنة التحكيم) عن سنها.. تجيب بأنه 47..
ضحك وتهكم ومضغ..
-”ما هو حلمك؟”
-”أن أصبح مغنية محترفة..”
ضحك وتهكم ومضغ..
-”لماذا الآن فقط!”
-”لم تتح لي الفرصة من قبل.. لكن ها هي ذي الفرصة لأغير كل شيء..”
-”حسنا.. من هو نموذج النجاح الذي تودين الوصول إليه؟”
-”ألين بيدج”..
تهكم.. ضحك.. واحتساء قهوة..
تبدأ الموسيقى.. لحظات من الترقب المتهكم.. وانطلق الصوت الرائع!
لا ضحك.. ولا تهكم.. ولا مضغ.. توقف كل شيء للحظات، وانفتحت العيون على مصراعيها.. وشده من شده وصدم من صدم.. ثم ارتفعت الحناجر بالهتاف..
سوزان تخرس الجميع ثانية بعد أخرى.. صوت من أروع الأصوات وقوة أداء من أفضل ما يمكن عالميا..
وتتصاعد الموسيقى، ويتصاعد الأداء.. والدموع تظهر في مقل الجماهير.. حنجرة حكم تبتلع لعابه، وابتسامة خرس لا تستطيع مفارقته..
لقد حطمت سوزان شيئا عفنا ضخما بداخل الجميع.. ذلك الاحتقار الطبيعي لكل ما هو قبيح وغير كامل.. اختفت فجأة عبارة “ماذا تفعل هذه المغفلة البدينة القبيحة هنا!”.. هكذا ببساطة، ومن الثانية الأولى..
فاجأت دمعة غريبة تنساب من مقلتي شخصيا، وتذكرت استغرابي من قول شريف أنه بكي معها.. فابتسمت ساخرا من نفسي..
إن التطيهر النفسي ضروري بين الفينة والأخرى.. وما فعلته سوزان نوع من التطهير..
سوزان حلمت حلما، وغنته!
شكرا لك سوزان على هذه المشاعر!
شكرا!
نحن في مباراة نهاية كأس فرنسا..
انتهت المباراة بالفعل..
صديقنا ريمي يقبع بالمدرجات وقد وضع قميصا، غير دقيق أصلا، لفريق لوريان..
سوف يتسلل إلى وسط اللاعبين..
لا أحد سينتبه..
سوف ترونه وسط الشاشة..
إنه هو. وسط اللاعبين..
سيذهب ليصافح رئيس الجمهورية الذي، حسب رواية ريمي، أخبره بأنه لعب بشكل جيد.. لقد سقط الجميع لحد الآن في الفخ..
حسنا.. لقد نجح في التسلل بين اللاعبين، لكن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد..
سوف يهبط إلى الملعب متجاوزا الرقابة الأمنية.. أنظروا! إنه يرتدي أحذية رياضية بيضاء عادية (من نوع أحذية كرة السلة)، على الأقل سينتبه أحدهم لذلك.. لكن لا أحد يلاحظ بالفعل.. إ
نه ينتمي إلى اللاعبين تماما..
يركض فوق الملعب..
يرتمي أمام المصورين مهشما وجهه نوعا ما.. ويصرخ أمام الكاميرا بعبارة: “بفعل أي شيء يمكنك أن تصبح أي شخص“..
يحمل الكأس..
وما يقتلني هو أن اللاعبين أنفسهم لا يلاحظون أن هنالك دخيلا..
سيذهب إذن لتحية الجمهور.. ماذا تظنون؟
إنه هناك، يرقص مع اللاعبين الآخرين اللذين يمسكونه بين أيديهم قائلين: لاعب احتياطي لا نعرفه.. لست أدري..
رائع!! حينما نعرف أن هنالك العديد من الحواجز الأمنية.. لا أصدق!
هنا اللقطة التي تروقني شخصيا: الكابتن الذي يأخذه تحت يده.. أنظروا!
لم ينته الأمر بعد..
إنه يقف أمام الكاميرات..
لاحظوا أنه سيمر على كل القنوات اللتلفزيونية في الغد..
الدورة الشرفية مع الكأس، ومذيع يعطيه الكلمة!!!
يقول: لدي كلمة أريد قولها لروجيه لومير (مدرب المنتخب الفرنسي).. أنا متاح!
ويعود لتحية الجمهور..
أنا أجد أن هذا لايصدق!
تحية أخيرة مع اللاعبين..
ولكن الأفضل للنهاية: المشجعون يتصورون أنه لاعب، ويطلبون توقيعه..
يوقع باسم “أي شخص”، ويقولها للكاميرا..
هكذا تلاحظون أنه ببعض الشجاعة يمكنك أن تفعل أي شيء..
رائع يا ريمي.. برافو..