أرشيف ‘محاولات’ التصنيفات

لمحات مرتشية (عن اليوم العالمي للرشوة 6 يناير)

piles-de-dossiers

الساعة التاسعة والنصف.. لم يصل سعادة البيه الموظف باشا بعد.. ثعابين بشرية تتلوى مصاحبة الجدار بالخارج.. الكل ينتظر الباشا.

يصل رجل والعمش لا يزال يطمس عينيه المباركتين. يدفع البوابة ويدلف إلى الداخل دون أن يلقي أدنى نظرة على الحشد المنتظر.. هكذا يعرفون أنه الموظف.. كلهم لا يلقون نظرة على الجيوش التي تنتظر أن يقرروا الوصول.. كلهم يدفعون الأبواب برؤوس محنية ويلجون إلى عرشهم.. وبالداخل، ترتفع الرأس شامخة عالية ولأنوفهم تبحث عن السحاب.

ينظر إليك الموظف باشا شذرا في ما معناه أنه لم يستبشر بوجهك الصبوح، ولسان حاله يقول: “صبحنا عالله!”. تمد إليه أوراقك فيقطب حاجبيه غاضبا كأنك ارتكبت جريمة في حق البشرية ويقول: “صبرا يا أخينا! لقد وصلت للتو!”.. تنتظر سعادته أن يستريح من الراحة، وتتذكر أنك مقيم هنا من الفجر كي يكون دورك الأول ولا تضيع ساعات عملك االأولى.. كان حلما جميلا عسير المنال بالفعل..

الساعة العاشرة إلا ربع. يناديك الموظف لتدخل المكتب برأس مطرقة.. ينظر في أوراقك بنظرة خاطفة.. ويقول: “تنقصك الدمغة”.. تخرجها من جيبك تشكيلة متنوعة من الدمغات وتضعها أمامه ليختار ما يشاء. “ينقصك عقد الازدياد”.. تخرج له عشرة نسخ أصليه وتضعها أمامه.. “تنقصك شهادة الحياة”.. هنا تتسمر.. لم يصل خيالك الإبداعي هذا الحد من التعقيد بعد..

تأتي بعد بضعة أيام.. الموظف لا يزال يمارس عادته المحببه بالتأخر.. تكتشف هذه المرة أنه يجلس دوما في مقهى أمام المبنى الإداري يرمق الحشود المنتظرة وهو يرتشف قهوته، ولسان حاله يقول : “انتظرن سيدكم أيتها الحشرات!”.

يتكرر نفس سيناريو الأمس.. هذه المرة يمارس الموظف دوره بأن يظهر كرهه الطبيعي لصفاقتك، بعد أن تجرأت وجهزت كل الأوراق الممكنة وغير الممكنة.. يلملم أوراقك ويقول: “عد غدا!”.. تستنكر الأمر وتخبره بأنك تعلم أن هذا الإجراء لا يستغرق الكثير من الوقت، وبأن كل أوراقك جاهزة.. هنا ارتكبت أول خطأ، لقد أسديت له معروفا بأن أطلقت العنان لموهبته الفطرية بالصراخ.. إنه محق! أنت لن تريه عمله.

تعود في اليوم الموالي.. ينظر إليك الباشا بنظرة احتقار، وقبل أن بطالبك بالعودة في اليوم الموالي مجددا تمد إليه مظروفا به أهم شهادة كانت ستغنيك عن كل الشهادات والأوراق. يفتح الظرف، ويلقي نظرة على الشهادة الزرقاء من فئة 200 درهم. يحمل الطابع الإداري.. ومن بعيد يدوي صوت ارتطامه بالأوراق..

تخرج من المكتب حاملا أوراقك، وأنت ترمق الضحية الجديدة التي تدلف إلى المكتب.. وعلى بعد بضعة خطوات تسمع صوت الجهوري يدوي من جديد: “تنقصك شهادة الوفاة وحسن السيرة والسلوك!”

الشقي.. (الفصل الأول)

تذكرون جمال، وتذكرونه روايته القصيرة ظلال على جدران الزمن
جمال كاتب موهوب آخر من الذين لم يستجمعوا شجاعتهم قط لمحاولة عرض عمل لهم على دار للنشر..
عني شخصيا، أنا مدمن على كتاباته لأنه يستطيع خلق عالم خاص بمجرد أن يمسك القلم.. حينما يتحدث عن شيء يجعلك تراه من زاوية أخرىطالما لم تنتبه إليها..
هذا هو جمال، وهذه هي كتاباته..
وهذا أحد أعماله..
رواية سأنشرها على مراحل كالعادة..
فلتستمتعوا معي بهذا العمل..

تابع »

ظلال في جدران الزمن (5) (النهاية)

الفصلان السادس والسابع

الفصل الثامن
——————-

وجلسَت وحيدة على طرف المقعد, واعتراني الحنق منها ومن تصرفاتها الصبيانية. لكني لم أكن غاضبا حقا, لماذا أغضب مادامت هي الوحيدة التي تمكنت من إحياء روحي الذابلة. ومضيت أبحث عن زهرة بين الأعشاب الصفراء الجافة, وعثرت على واحدة فعدت أدراجي..
-أغمضي عينيك!…
-لماذا؟
-لا تكوني لحوحة, أغمضي عينيك فحسب..
ومددْت يدي إلى شعرها, وأدهشها ما فعلت بعدها. جثوت على ركبتاي ومددت يدي نحوها بطريقة مسرحية وتراخت الزهرة في قبضتي كأنها جسد ميت.
-ماذا تفعل؟
-انتظري!..
وزرعت الزهرة في شعرها, دنوت من خدها فلثمته. ولما تقابلت عينانا أدركت أن الأمر قد راقها حقا, وهمسْت حينها:
-لا تغضبي مني!.. تعرفين أني أحبك, لكني بالمقابل لا أريد أن تختبريني على هذا النحو..
-معنى هذا انك ترفض دعوتي..
-كلا, الحقيقة أنني أجهل تماما أين أصحبك!
-لا تقلق, سأدلك على مكان هادئ سيعجبك..
أحيانا تمنحنا الحياة قطرات من المتعة, لكنها للأسف لا تمنحنا ما يكفي لنطهر أنفسنا من بقايا الحزن.
لطالما فكرت أن القلوب المرهفة لعنة بقدر ما هي هبة, فالدموع التي يمنحها هؤلاء الحالمون الرومانسيون ليست سوى طريقة لتفريغ أزماتهم العاطفية, فحين يظهرون تعاطفهم بهمسات حنون أو دموع زاخرة فهم بذلك يريحون أنفسهم دون أن يتجرؤوا على منحك النصيحة الذي يعرفونه جميعا.
لا تبك لأن البكاء يجعلك تضعف!
وقد علمتني أمي ذات الشيء, فحين أخطأ أو أؤذي نفسي لم تكن تهتم بجرحي فتضمني, بل كانت تضربني حتى أني كنت أنسى ألم الجرح وأندم على ما فعلت, فلا أعاود الكرة من جديد, لأنني أدرك حينها سأذوق ألما مضاعفا. ألم الجسد والروح..

——————–

فاجأتني ذات مرة وقالت:
-هل تكره والدك؟
وتجمد الزمن لبرهة, فقد أذاب سؤالها المباغت ثلوج الحيرة في روحي.. أغرقت شواطئ نفسي واجتاحت كياني كله..
قلت بعد فترة:
-لست متأكدا!..
-وهل عرفت سبب انتحاره؟
-كلا! لطالما أخبرتني أمي أنني السبب وراء انتحاره, ولا زلت أجهل كيف.. كيف يمكن أن أتسبب في ذلك مادمت قد ولدت بعد انتحاره؟.. ماتت أمي قبل أن أعوام, لكنني لم أكن قريبا منها كفاية لتخبرني.. أنا متأكد أنني السبب حتما, فلطيفة تكن لي الكثير من الكره أيضا…
-يجدر بك أن تسألها إذن!.
-لا, لا أستطيع!..

—————–

كم أكره الوحدة في هذه اللحظات الكئيبة من حياتي! تلك اللحظات اليتيمة التي أشعر فيها برغبة في مصالحة الأشياء.. لا أستطيع أن أعيش حياتي وحيدا, لا أستطيع أن أكمل الدرب بروح منطوية وحيدة, لأنها ستموت في أية لحظة!..
لا أريد من الدنيا سوى الشعور بالسعادة, لست سعيدا هكذا! ولن أجد السعادة في اختلاطي بالآخرين, فماذا أفعل؟.
وتشردت أفكاري على قارعة الملل, وتشربت منه روحي فشلها كما الصدأ, واحتشدت في رأسي أفكار كثيرة, وتمنيت لو أتقياها فأرتاح. ونزلت إلى الشارع ابحث عن لذاتي الكريهة عن متنفس..
جلست في أحد المقاهي لأول مرة.. رحت أنصت لضحكات الآخرين وشكواهم, لأصواتهم الصاخبة وهمساتهم المنكسرة..

—————–

وصلتني رسالة شكر من لطيفة. وجدتها تحت الباب لذا عودتي, ألقيتها على الطاولة بجوار التلفاز, والغريب أن الأمر لم يدهشني بقدر ما بث الذعر في نفسي..
كنت قد اشتريت للمولود المنتظر مهدا وأرسلته, لكني لم أتوقع أن تراسلني لطيفة وهي التي لم تشعرني أبدا بشيء.. رحت أرمق المظروف بكثير من الحيرة. لا أذكر أن أختي لعبت معي يوما, حتى أنني لم أكن أناديها باسمها.. ولما رفعت المظروف من جديد تفحصت كتابتها الرقيقة, حروف صغيرة متلاصقة..
ثم فطنت إلى أمر آخر, هذا الخط يشبه خطي تماما!..
وترددت بحيرة: هل أفتحه؟
وفي وقت متأخر من الليل تلقيت اتصالا من زوجها, أخبرني أنها ماتت وهي تلد..
-والمولود؟
-لم تكتب له الحياة!!

——

الفصل التاسع
—————
كنت استحم عندما هالني مظهر الندوب على صدري, جروح قديمة تعود إلى طفولتي.. بعضها بسبب أمي, وأخرى تعمدتها لعل الألم يعوض ما أحس به من كراهية حيال نفسي!.. والغريب في الأمر أن الألم كان يتلاشى بسرعة مما دفعني لأزيد جرعة التعذيب.. لكن, هل يستطيع الألم أن يحل مكان المتعة؟
ربما يكون الألم مصدر المتعة, فالألم في حد ذاته تعبير عن إحساسنا بشيء ما, شيء لا نستطيع وصفه بكلمة أخرى غير الألم.. فالأسماء مجرد كلمات من قاموس جاهز مسبقا, ولا ننسى أننا من يمنح الأشياء أسمائها..
كنت أخرج في الليل لأتسكع في طرقات مدينتي النائمة. أحاول أن أحصي النوافذ القليلة التي يتسرب منها النور. واعتقدت في البداية أن ساكنيها يحبون السهر, وفكرت ذات مرة أنهم ربما نيام, وبسبب خوفهم من الظلام كانوا يتركون الأنوار مضاءة كما كنت أفعل صغيرا..
كنت أخشى الظلام في صغري, وأدركت حينها أن السواد لا يعني الخوف فحسب بل الحزن أيضا. لكني لم أمتلك الشجاعة الكافية لأعترف بذلك, كنت خائفا من إظهار خوفي ومشاعر مركبة مربكة لذاتي الصغيرة التي لا تستطيع أحلامها أن تتجاوز الحصول على قبلة نوم..
فكل ما أردته من أمي هو القليل من الإهتمام, القليل من الحب.. لكن وحين نفتقد أشيائنا الصغيرة نعوضها بأشياء أكبر وأضخم وأكثر أهمية. والأيام منحتني أكثر مما رغبت به يومها..
منحتني الاستقلال!..
فلماذا لا أشعر بالندم على أيامي الماضية؟ ألأنني لم أفق بعد أم لأنني كنت مستيقظا طوال فترة غيبوبتي..

————-

“أدرك يا حبيبي أنك إلى كلمات العشق..
يحملك الشوق..
كما إلى مروجها, تحن الزهور
كما إلى أعشاشها, تحن الطيور
لكني أخطها هنا, لتضيع بين السطور..”

قلت لها ذات مرة:
-ألا تجدين هذا غريبا؟
-ماذا؟
-أليس أنا من يجدر به أن يكتب لك شعرا؟
وهزت كتفيها بلامبالاة, وقالت:
-وماذا عساني أفعل؟ لا حيلة لي, ثم إن هذا ليس عيبا!
ولوحْت بالورقة في يدي, وقلت متظاهرا بالضيق:
-هل تحسبين أنك الوحيدة القادرة على هذا؟
-لم لا تريني ما تستطيع فعله إذن؟
وفطنت أن كل عباراتنا السابقة أسئلة, مجموعة من الأسئلة الخرقاء طبعا. لكنها تحدتني ولا أريد أن أفشل.. صحيح أنني لا أجيد الكتابة مثلها, لذا فكرت أن أعزف لها قطعة من القطع المفضلة لدي..
وجال بصري عبر الحديقة بحثا عن أولئك الصبية الذين رأيته قبل قليل, كانوا يعزفون في الركن البعيد..

——————-

ترددت كثيرا قبل أن أدخل. كانت هناك صالة صغيرة تتوسطها طاولة زجاجية, جلست على الأريكة ورحت أقلب المجلات بكثير من الملل.. الجدران مطلية بلون برتقالي, لون دافئ جميل أشعرني بالإسترخاء, وكانت الموسيقى الهادئة تتردد عبر المكان لتروي قلقي..
ثم انفتح الباب, رآني فأشرق وجهه بابتسامة كبيرة ودعاني لأدخل..
-يجدر بك أن تملأ الاستمارة!..
قالها بحزم بعد أن مزْقت الورقة, ولكن صوته الحاد لم يتمكن من محو ابتسامتي. ظل يحدق بي من وراء نظاراته الطبية لبرهة ثم اتكأ على كرسيه الكبير. وتابع بعد أن عجز عن فهم سر صمتي:
-كيف تريدني أن أساعدك مادمت أجهل كل شيء عنك؟
-أريد شخصا يسمعني فحسب..
-ولم أنا بالذات؟ لست مضطرا لتحمل كلفة استشارتي, بإمكانك أن تكلم أي شخص آخر, أحد أصدقائك مثلا!..
-ليس لي أصحاب!..
ومضت نصف ساعة وأنا أتكلم, وفي النهاية استوقفني وقال:
-ولماذا تستغرب الأمر؟
-لأنه من غير المنطقي أن تموت لطيفة في ذات اليوم الذي تسلمت فيه رسالتها.. اعتقدت في البداية أنها صدفة ربما, كأنها استشعرت الأمر ورغبَت عبر رسالتها في مصالحتي.. تماما كصحوة الضمير التي تصيب المرء وهو يحتضر, لكني فطنت إلى السبب أخيرا… أنا قتلتها!
ظل يرمقني بهدوء مصطنع, لكني عرفت أن عبارتي قد صدمته, فلماذا ارتعشت يده إذن؟
وهنا أخرجت صورة لي وأنا صغير, كنت أفق فيها إلى جوار أمي بينما أختي في حضنها.. والغريب أن أختي كانت أكبر من أن تُحمل على عكسي, فقد كنت صغيرا جدا, فرحت أتشبث بفستان أمي وأحدق فيهما!
منحته الصورة, وقلت:
-هذه أختي..
-لا أراها!
-ماذا تعني؟ إنها هنا في حضن أمي..
ورأيت نظرة الغضب التي لمعت في عينيه, وبعدها صاح:
-هل تسخر مني؟ لا يوجد سواك في هذه الصورة!
-أعرف!أردت أن أتأكد من صحة ظني فحسب..

—–

الفصل العاشر

———————

لم أكن يوما راضيا عن نفسي, وكأن حياتي كلها في النهاية ندم كبير, وتمنيت لو تلعق كلمات ناهد كل اللحظات المريرة التي عشتها..
واحتضنتها برفق, ولما رفعت وجهها نحوي قبلتها.. وشربت من نبيد شفتيها حتى الثمالة, لكن القبلات الأولى التي سرقناها من الزمن ومن الناس لم تسقني بل تركت في روحي عطشا أكبر..
ركبت الباص لأول مرة هذا الصباح, وجلبت وردة حمراء وضعتها على مكتب ناهد. انتظرتها طويلا لكنها لم تحضر. وطال غيابها هذه المرة, أربعة أيام مضت دون أن أعرف عنها شيئا. وبقيت في المكتب وحيدا, ولم تكن الوحدة تزعجني بقدر ما يزعجني غيابها..
ربما كانت مريضة!
قالت لي آخر مرة:
-هل ستفتقدني؟
-ماذا تقصدين؟
-لو قررت أن أرحل يوما, هل ستحزن؟
-بالتأكيد! لكني لن أجرؤ على منعك, والدك رحل دون أن يودعني بدوره.. كنت أحبه حقا!. وربما كان تعلقي به محاولة يائسة مني لأذوق مشاعر الأبوة التي لم احظ بها قط..

———————–

-أخبرتَني في البداية أنها ماتت وهي تلد, فلماذا تقول أنك قاتلها؟
-لأنها موجودة هنا! في رأسي وحسب.. لقد اختلقتها!!.. لقد لقيت معاملة قاسية من قبل أمي. لم تشعرني بأنني ابنها يوما, كانت تضربني وتسيء إلي طوال الوقت.. لكن وبدل أن أكرهها كرهت لطيفة أختي, فكانت الشماعة التي علقت عليها حقدي وكرهي كله..
-أهكذا تفسر ما حدث إذن؟
-لا تنس أنك الخبير هنا.. أنا أخبرك بما اعتقده فحسب, ما رأيك أنت؟
لم يجب, خلع نظارته وحك أسفل عينيه, ثم سألني:
-وماذا عن انتحار والدك؟
-ليس غريبا أن ينتحر أبي! كان مجنونا ولم يتوقف يوما عن أذية نفسه, بل تعدى ذلك وصار يضرب أمي.. ولما علم بحملها اعتدى عليها وكاد يتسبب في إجهاضها, لكني نجوت بأعجوبة, لذا خيرها بيني وبين حياته..
-وكيف عرفت ذلك؟
-قرأت ملفاته الطبية!..

———————–

وجاءني طلب من المدير, صعدت الدرجات المؤدية إلى مكتبه. طرقت الباب فدعاني للدخول.. ولوهلة ظل يحدق بي كأنما يراني لأول مرة, ولم استغرب الأمر فهو لم يرني منذ زمن.
-منذ متى وأنت تعمل في الأرشيف؟
-منذ ست سنوات ونصف سيدي!
-جيد! معنى هذا أنك تملك خبرة كافية لتتولى مهاما أخرى.. لكن أخبرني أولا, كيف تمكنت من تحمل العمل في ذلك المكان لوحدك؟
وحين غادرت مكتبه كنت قد تلقيت ترقية, لن أعود إلى الأرشيف بعد اليوم.. هناك مكتب بانتظاري, مكتب أوسع ذو نوافذ كبيرة ويعج بالموظفين!..

———————-

ماتت أمي في ذات اليوم الذي غادرت فيه المنزل لألتحق بالعمل, حين أخبرتها برحيلي لم تنبس ببنت شفة, فقد حسبت أنها سترفض ولم تفعل..
ولم أكن أقرب غرفتها في حضورها, وفكرت أن أودعها لكني خشيت أن أوقظها من النوم. وعرفت أنها ستضربني قطعا لو فعلت, فمزاجها يكون متعكرا في الصباح, ولن تهدأ قبل أن تدخن لفافتين أو ثلاثا فقد كانت تدخن بشراهة!..
فتحت غرفتها, تسللت بهدوء إلى السرير.. ولما دنوت من جبينها ولثمته أدركت أمرا.. كان جسدها باردا, وعلى شفتيها ابتسامة شاحبة!.
حملت حقيبتي وغادرت, وبعد أسبوع اخبروني بوفاتها.. قالوا أنها ماتت قبلها لكن أحدا لم يكتشف الأمر, ليس قبل أن تفوح رائحة جثتها وتزعج الجيران!..

—————–

وهنا قررت أن أنهي هذا الحوار الذي بدأ يثير أعصابي, فقلت:
-هل استطيع الإنصراف الآن؟
وظل يرمقني لوهلة..
-ليس قبل أن تعدني بالعودة!..
-لا تقلق يا دكتور!.. لن انتحر لو كان هذا قصدك! انتحر أبي لأنه لم يرغب بمجيئي إلى هذا العالم, وبعدها انتحرت أمي لأنها لم تتحمل ابتعادي عنها.. ربما كانت تحبني رغم كل شيء, لكنني كنت أذكرها طوال الوقت بأبي الذي كرهَته! وكل هذا يبقى مجرد احتمالات أحاول أن أضمد بها جراحي لأنني لن أعرف.. لن أعرف الحقيقة أبدا!!

———————–
النهاية
بوالخورص جمال
22/03/2006

ظلال في جدران الزمن (4)

بقلم: جمال بوالخورص

الفصلان: الرابع والخامس

الفصل السادس:

الأيام كمفاتيح البيانو, سوداء وبيضاء. لكن حتى المفاتيح ذات اللون الواحد تطلق أنغاما مختلفة..
تساقطت كل الصور من الجدار تماما كما يُسقط الخريف أوراق الشجر اليابسة, وكنت قد اعتدت الأمر, فحين تبرد الجدران يجف الشريط اللاصق وتتداعى صور أبي..
جثوت على الأرض لأجمعها, ثم ألصقتها من جديد على ذات الجدار حتى أتمكن من رؤيتها طوال الوقت, وهي عادة بدأت لتوها. وبعد فترة لن أستطيع التخلص منها تماما كعاداتي القديمة كلها.

————————-

سألتني:
-إلى أين تريدنا أن نذهب؟
-لا أعرف, ظننتك سترغبين بالعودة إلى البيت..
-لا أريد أن أعود إلى البيت الآن..
وسألتها بدهشة:
-وإلى أين ترغبين بالذهاب؟
وتراقصت على شفتيها ابتسامة, وردت بسؤال آخر:
-ما رأيك لو تصحبني إلى مكان هادئ لنشرب شيئا؟ فأنا أشعر بالعطش..
-لست معتادا على ارتياد المقاهي!..
قلتها بحسم, والحقيقة أنني لم أرغب بمرافقتها طويلا. وعرفت أنها استنتجت ذات الشيء, فبقائي معها في هذا المكان يختلف تماما عن أجواء المكتب, وقالت بضيق:
-آسفة! لم أحسبني مزعجة إلى هذا الحد, فكل ما رغبت به هو الترفيه عنك..
وأشعرتني كلماتها بالذنب, وتركتني بعدها لتمشي على الرصيف.
ثم فطنت إلى الحقيقة التي غابت عن عني, أنا خائف من التقرب منها!.
أنا مجرد طفل خائف, طفل تائه في الظلام! أبحث عن ملاذ لذاتي المسحوقة فلا أجد غير أبواب مغلقة تتسلل خيوط النور عبر شقوقها. وكلما حاولت التقرب شعرت بالخوف لأنني ما عدت أدري إن كان النور سيدفئني أم سيذيبني..
000
-أن أستيقظ ذات يوم, وأن أخبر العالم أني أحبك, وأن يتهموني بالجنون بعدها لأنني تخيلتك, وأن يخبروني أنك مجرد ملاك أو روح أو أي شيء آخر قد ينفي حقيقة وجودك..
سألتني حينها:
-وهل أنا موجودة حقا؟
-ربما!
وسكتت لبرهة من الزمن ثم قالت:
-أهذا حقا ما تخشاه؟
أومأت لها برأسي فاقتربت مني. استنشقْت عطرها وسجنته في صدري..
قالت:
-أفكارك غريبة جدا! لكنها تروقني..
وابتسمَت فسألتها بدوري:
-وأنت يا ناهد, مالذي يخيفك؟
-أخاف أن أفقدك..

———————

-كيف حالك؟
-بخير.. بخير! وأنت؟
وأجابت:
-أنا بخير!..
وخرسْت كعادتي, فمن الصعب أن أجد عبارات كتلك التي تغرق بها النساء بعضهن, وكنت أحسدهن دوما على تلك الموهبة. ولما تكلمَت لمسْت نبرة السعادة التي تفيض من كلماتها, قالت:
-أنا أنتظر مولودا!..
فاجأتني, تلعثمت في البداية ورحت أبحث عن كلمات مناسبة لأرد..
ووقفت أمام النافذة أطل على الشارع المهجور, كان المطر يغسل وجه المدينة وينثر الرذاذ على الإسفلت وفوق الطرقات ويبلل المارة..
-ما بك؟
ونظرْت إلى ناهد الجالسة على طرف مكتبها, وأجبت:
- لطيفة أختي حامل!..
صفقت بكفيها كالأطفال وقالت بسعادة:
-يا الله !. كم هذا جميل!.. مبروك لك, ستصير خالا عما قريب…
ولما انتبهت إلى عدم مجاراتي لها قالت تسألني بقلق حذر:
-هل هي متزوجة؟
-بالطبع!..
-لم أنت قلق إذن؟
وتنهدْت بحرقة لعلني ألفظ ولو القليل من الضيق الذي يخنقني, وقلت بعدها:
-يجدر بي أن أكون سعيدا, لكني لست كذلك!. لا أعرف ماذا يحدث معي, فأنت سعيدة لمجرد سماعك الأمر رغم أنك لا تعرفينها.. وأنا أخوها الذي يفترض به أن..
وفضلْت أن أخرس لأنني بالطبع لم أعرف مالذي ينبغي أن أفعله, ووجدَت حيرتي وميضا من السلوى في ابتسامتها المشفقة وسمعتها تقول:
-لم لا ترسل لها هدية؟..
——————–

الفصل السابع

-ناهد..
-نعم؟
-هل تحبينني؟
وانتابها الذهول لبرهة, وفتحت فمها لتقول شيئا ثم ضحكت وأدركْت أنها اعتبرت الأمر مجرد مزحة, فقلت:
-لماذا تضحكين؟ أنا جاد!..
وألقت قلمها على المكتب, وضعت خذها على كفها وقالت:
-حسنا, دعني أفكر!.
-وهل يحتاج الأمر إلى تفكير؟
-كلا, أنا أفكر في الصيغة المناسبة للإجابة..
وصمتت ولما طال الصمت انتابتها نوبة جديدة من الضحك, حاولَت في البداية أن تتغلب عليها لكنها أفلتت ضحكة أكبر وأقسى. وعرفت أنها تستمتع بتعذيبي فقلت:
-انسي الأمر!..
-أحقا تريدني أن أنسى؟
واجتاحني الغضب فغادرت الغرفة, ولما خرجْت إلى الممر لحقت بي وركضت خلفي عبر الدرجات..
-آسفة! لم أقصد إغضابك..
ووقفت أرمقها لبرهة, ولم تتمكن من تثبيت عينيها على وجهي, فأزاحت عني بصرها وسألتني:
-وماذا عنك أنت؟ هل تحبني؟

————————

ربما تنبع حاجتنا إلى استقصاء الحقيقة من جهلنا لها, لكني أدمنت أن أسأل الآخرين أسئلة أعرف إجاباتها أو بالأحرى أسئلة أتوقع أجوبتها, وجنحت عن القاعدة هذه المرة وسألتها:
-ناهد, هل أنت بخير؟
نظرت نحوي, وكنت قد قررت أن أضع حدا لتلك الأسئلة التي يعج بها صدري, أردت أن ألفظها حتى أرتاح.
-وهل تعتقدني كذلك؟
ولم أقل شيئا, فتابعَت بصوت منكسر:
-كلا, لست بخير, أنا مريضة!..
وأخبرتني أنها تتقيأ كثيرا, وأنها تتعرض أحيانا لنوبات ألم تجعلها تفقد وعيها. وتقضي الليل أحيانا وهي تتألم فلا تقدر على النوم, وعرفت حينها سبب شحوبها وضعفها..
-لهذا كنت تحتاجين المال بشدة!..
-أجل..
-والدك كان يستدين مني أيضا..
ولم يفاجئها الخبر, ودمعت نظرتها على الأرض وقالت:
-أعرف, كان يبتاع لي الدواء..

——————————

-ما بك؟
زفرت وأفرغت محتويات صدري, لكني شعرت أن هناك المزيد. أشياء كثيرة تسد أنفاسي وتخنقني.
وكررَت:
-مالذي يزعجك؟
-لست أدري!..
ثم قررْت أن أخبرها الحقيقة التي لطالما سجنتها في داخلي, ولكنني عرفت أن هذا لن يحررني أبدا..
-أنا يتيم مثلك تماما يا ناهد. لم أر أبي أبدا, رحل قبل ولادتي بأيام!. وكل ما تركه لي هي صور قديمة مزقتها أمي في لحظة غضب وألقتها في القمامة, لكنني تمكنت من جمعها, وألصقتها من جديد..
جمعتها قطعة قطعة!.. وأدركت في النهاية أنني -ومهما فعلت- لن أمحو شقوق الكسر في روحي..
-فليرحمه الله..
-لا أعتقد ذلك!.
ونظرت ناحيتي بغضب, لكن ملامحها سرعان ما لانت ووضعت يدها على كتفي, وقالت:
-لا تقل هذا!..
-أبي انتحر يا ناهد, انتحر!.
———————-

الفصول الأخيرة

ظلال في جدران الزمن (2)

بقلم: جمال بوالخورص

الفصل الأول

الفصل الثاني

وجدتها تكتب ذات صباح, وكنت قد علقْت في زحمة مرورية فتأخرْت. ولما دخلْت رفعَت عينيها نحوي وأخفت الورقة, تجاهلْت الأمر في البداية وألقيت تحية الصباح..
منحتني ابتسامة هادئة كالمعتاد, وقالت:
-ظننت أنك لن تحضر..
-ليس اليوم, لدي عمل مهم لأنهيه!.
فتحَت ملفا وبدأت تنقل بعض الأرقام, ومن عاداتها الغريبة أن تنطق الكلمات بصوت خافت قبل أن تدونها.
-ماذا كنت تفعلين؟
-لاشيء!
-معك حق فهذا ليس من شأني!..
ثم زفرَت باستسلام أمام نظراتي الحانقة, أخرجَت الورقة من درج مكتبها وسألتني:
-هل تحب قراءة الخواطر؟
-لا أدري, قد أحبها لو كانت جيدة..
ومنحتني الورقة فأمسكتها, وقالت:
-ما رأيك بهذه؟
وبدأتُ أتلو ما كتبَت:
“أمس زرت قبرك..
وجدت الشّوك يغطّيه, وحين مددت يدي لأنتزعه أدمت أصابعي..
أمس زرت قبرك..
تركت دمائي فوقه , وكلّ قطرة دم صارت وردة حمراء..
اليوم , وأنا أقف جوار قبرك وجدت الورود تغطّي جوانبه, لم أستطع أن أقطف واحدة .. ليس لأنّني خشيت أن تجرحني.. بل لأنّي ما عدت أملك في عروقي ولو قطرة دم واحدة..”
000
كنت أنظف, واكتشفت أني لم اهتم أبدا بترتيب أثاثي أو تنسيقه, وكل همي هو أن أزيل طبقات الغبار قبل أن تترسب وتتحول إلى تل..
ولماذا اهتم بهذا وأنا الذي لم يستقبل أحدا؟
ثم سمعت طرقات على الباب ذات صباح, ولما فتحته استقبلني وجه جميل وعيون واسعة, وسمعت الفتاة تسألني:
-هل تسمح لي بدقيقة من وقتك؟
وظلت تتحدث لعشر دقائق كاملة, وفي النهاية أقنعتني بشراء مجموعة من الحيوانات البلاستيكية ذات قطع مغناطيسية. ألصقتها على باب الثلاجة, لكنها لم تصمد كما توقعت, فكانت تسقط بمجرد أن أفلتها. وأدركت أخيرا أن تلك البائعة المتجولة خدعتني.
ولما انتهت نوبة الغضب, أحضرت صمغا وألصقتها, ولم يكن الأمر سيئا كما توقعت. ولكن فكرة تعرضي للخداع استهلكت هدوئي..
ثم فكرت مليا, مالذي جعلني أقبل بشرائها؟ ألانني رغبت بذلك حقا؟ أم أن هناك دافعا آخر؟
وتذكرت نظرة الفتاة البائسة ووجهها الذي يجاهد ليخفي تعبه بابتسامة لا أدري مصدرها, واقتنعت أخيرا بأن الأمر يستحق, على الأقل منحت الثلاجة مظهرا مختلفا وأضفت إلى المطبخ بعض الألوان. وربما لو احتسبت كلمات الشكر الذي أغرقتنني بها الفتاة لمالت الكفة إلى ناحيتي..
000
-ألن ترحل؟
-لماذا أفعل؟ لم تنته الدوام بعد..
وأجابت ناهد:
-جميعهم سيرحلون مبكرا هذا المساء, كي لا تفوتهم المباراة..
وكنت ألزم البيت بدل الخروج إلى المقاهي التي تعج بمتتبعي البطولة الأوربية والمتعطشين إلى الأهداف, واستغربت هذا الحماس الجنوني والحب المحموم للكرة. فلماذا لا يترقبون النتائج مثلي في النشرات الرياضية؟
لماذا يحرقون أعصابهم ويستهلكون أضعاف ما يستهلكونه عادة من السجائر ويفتعلون الشجار؟ ويجد الواحد منهم نفسه في اليوم التالي ذاهبا على عمله وكدمة على وجهه إضافة إلى هزيمة نكراء لفريقه المبجل..
وبدل هذا كنت أنصت إلى الموسيقى وأحاول أن أتمرن على قيثارة اشتريتها منذ زمن, فأداعب أوتارها وأعزف بخجل..
تعودت أن أمشي وحيدا في أزقة لا تسكنها إلا الظلال, ظلال تعيسة تحاول أن تحاكي الأشياء, ظلال مشوهة تلتصق بالجدران, تزحف على الأرض ولا يصيبها البلل..
وماذا عن حياتي؟ ربما تكون بدورها مجرد ظل على جدران الزمن.
وأفقت من كابوسي ذات ليلة وقد أفزعتني الفكرة..
لا أريد أن أكون ظلا!..

——————————–

الفصل الثالث

سألتني ناهد وهي تجلس قبالتي وتتابع ترتيب الملفات:
-كم عمرك؟
وبدا واضحا أنها تستمتع بهذا الحديث, فسؤالها يتجاوز مجرد رقم قد تلفظه شفتاي, وأجبت:
-خمس وعشرون سنة..
-أنت تكذب!..
ولم أعرف لماذا نعتتني بالكذاب, ألأنني بدوت لها أكبر من عمري أم لأن عمري أكبر مني؟
ووجدت نفسي أقف أمام المرآة, أتأمل وجهي الذي لم تدنسه تأملاتي من قبل. أحاول أن أحفظ الملامح التي تعكس روحي على عيون الآخرين, ولما مللت من تفحصه بحثت عن وجه قديم ركنته في ذاكرتي..
وجه أبي!..
واكتشفت أني لا املك من صوره إلا النزر اليسير, وكلها متناثرة وسط أوراق إدارية قديمة ظللت احتفظ بها منذ زمن, ربما لأنها الدليل الوحيد المتبقي على وجوده.
ثم جمعت الصور ذات مرة وألصقتها على جدار غرفة نومي..
وكثيرا ما أخبرتني أمي أنني أشبهه, تقبلني وتحضنني بين ذراعيها وتبكي. لكنها سرعان ما تتراجع عن كلامها كلما مرت بنوبة غضب, كانت تتهمه بالخيانة وبتركه إيانا في عهدتها ونحن لا نزال صغارا, وأنه فظل الهرب بدل البقاء إلى جانبها. وربما كان كلام أمي السيئ عنه سبب كره لطيفة له, بل وسبب خلافها الجوهري معي.
وأذكر تلك اللحظات اليتيمة التي تسنى لي فيها العبث بأشياء أبي, فكنت اغتنم غياب أمي في العمل وأتسلل إلى غرفتها لأتفقد ملابسه, ألبسها وأستنشق عطره عبرها, أضع خاتمه وساعة يده.
حتى أنني قررت ذات يوم أن أفتح خزانة أمي, وسرقت منها ظرفا كبيرا لم أره من قبل ثم صعدت إلى السطح.. ولم أفهم سبب إخفاءه عنا حتى عثرت على شهادات طبية داخله, وصدمتني الحقيقة..
أبي لم يمت كما أخبرتنا أمي..

———————-

تابع>>