المُرَمضِنون

Capture

استيقظ على صوت منبه الهاتف النقال كعادته. ألقى نظرة على الساعة. أضاف نصف ساعة للمنبه، وعاد للنوم شاكرا التوقيت الرمضاني.

أغمض عينيه لثانية، فدوى صوت المنبه مجددا. رمق الشاشة الصغيرة بعينين نصف مغلقتين. لم يصدق أن نصف ساعة قد انقضت في رمشة.

بحث بجانب السرير عن قارورة المياه المعتادة. كبح الفرامل في جزء الثانية الذي سبق الجرعة. لم يألف الموضوع بعد، لكنه غير مستعد لتعويض صيام اليوم.

يأخذ حمامه الصباحي ليزيل أطنان العرق اللزج، العلامة المميزة لارتفاع درجة حرارة مدينة ذات درجتي رطوبة وتلوث خرافيين.

يستقل سيارة أجرة صغيرة. يبدو السائق صامتا هادئا عكس عادتهم جميعا. يبدو أنه يحتفظ بطاقته للصبر على اليوم الطويل.

يفكر في أنه سيكون  أطول يوم رمضاني منذ 23 عاما. ثم يتذكر أن هنالك بلدانا كروسيا فيها مناطق تصوم أكثر من 20 ساعة حاليا، ثم…

-“أين تعلمت السياقة أيها الحمااااار؟”

كان هذا السائق الذي قرر فجأة التخلي عن صمته الاستراتيجي.

يصل إلى العمل. يقرر أن اليوم يوم معادلة ضغط. لا عمل! يقول زميل عمل متحمس أن المسلمين قد جاهدو في رمضان، فيجيبه آخر أن المسلمين حينها كانوا أكثر إيمانا بما يقوومون به،في حين أن حماس الزملاء للوظيفة و إيمانهم بها لا يمكن القول أنه مضرب المثل.

ينتهي الدوام بعد سنتين من الانتظار.. حكم مؤبد بالجلوس محملقا أمام شاشة الكمبيوتر، مقاوما أطنان النعاس التي تضغط على جفنيه.

ينزل متجولا بين الأزقة لعله يجزي الوقت. لكنه يفاجأ بأن عليه ممارسة رياضة غض البصر بشكل أعنف مما توقع. الملابس كانت أقصر مما توقع، ومساحيق التجميل كانت أكثف مما توقع. هنالك فاصل بين التجميل والصباغة لم تتعرف عليه الكثيرات دوما، ولكنه لم يعول على استمرار  ذلك في رمضان.

يرمي نفسه في أول سيارة أجرة عائدا إلى بيته. إنه المساء، لذا لم يكن السائق هذه المرة بحاجة إلى تخزين للطاقة، فقد انطلق يعدد في الأنشطة الجنسية لأمهات كل السائقين الذين يحتك بهم. وقف لمرتين أو ثلالثة وخرج من السيارة ليمارس رياضة البصاق بالرذاذ المتبادل مع أحدهم، مهددا إياه بالويل والثبور وعظائم الأمور، ثم عاد إلى السيارة، بصق من النافذة وهو يقول:

-“اللهم إني صائم!”.

أنفلونزا التلافيز

منظمة الصحة العالمية تعلن عن انتهاء وباء انفلونزا الخنازير، والقنوات التلفزية المغربية تعلن عن برامج للحمير.

بما أن عدد وفايات أنفلونزا الخنازير التي صدعوا بها رؤوسنا لم يتجاوز 18500 منذ بداياته، وهو عدد بالكاد يتجاوز نصف الوفايات العالمية بداء الأنفلونزا العادية، فإن التلفزة المغربية قررت بدورها رفع عدد الوفايات الناتجة عن ارتفاع ضغط الدم، والجرعات الزائدة من المهدئات.

chaines

جلسة سريعة أمام القناة التي قدمت إعلانات موجزة متتابعة لبرامجها وفقراتها الرمضانية أكدت لي صحة التخمين.. ربما باستثناء برنامج واحد للفنان الجميل “حسن الفذ” آخر الكوميدين المغاربة المحترمين.

كنت أظن في وقت من الأوقات أن المغاربة كلهم يصابون بارتفاع نسبة الحموضة عند مشاهدة هذا النوع من الفقرات، إلا أنني اكتشفت مؤخرا أن هنالك من يتابع هذا الهراء بكل اهتمام. إنه مشكل فراغ الساحة من المحتوى الجيد، ينضاف إلى ضعف الوعي.

هكذا يستغل فنانونا الكرام سذاجة الطبقات الشعبية، ليصنعوا وهم الجمهور المتعطش لأعمالهم. نوع من التنويم المغناطيسي الذاتي، مع داء غير مسبوق من انعدام الشعور بالرداءة. حينما تسمع تعليقاتهم و حواراتهم تقول لنفسك إن هؤلاء يؤمنون بالفعل أن ما يقدمونه بعيد تماما عن الهراء، وأن قيمته الفنية عالية.

تدوينة اليوم هي مجرد مقدمة بانتظار حلوى الأيام القادمة.. سنمرح كثيرا وسنسخر أكثر.. صدقوني!

رمضان كريم وكل عام وأنتم بألف خير.

ramadan

العالم الحقيقي

contacts

عدنا، والعود أحمد.

يبدو أن علي أن أبرمج إضافة للمدونة تضيف هذه الجملة أوتوماتيكيا في بداية كل تدوينة.

هذه المرة كنت في إجازة. عطلة ممتازة من كل شيء.. عطلة من العمل.. عطلة من الأنترنت.. عطلة من الوجوه المعتادة والأماكن المعتادة.. عطلة من الدار البيضاء المتنكرة بقناع أسود.

إحدى أمتع التفاصيل في هذه الإجازة هو انقطاعي عن الأنترنت لمدة ثلاثة أسابيع بمحض إرادتي. كانت فرصة حقيقية للخروج من العالم الافتراضي والعودة إلى صفوف البشر. أعرف أشخاصا لم يعودوا يتحملون انقطاع النت لساعات، وقد أصبح الأمر أشبه بانقطاع المياه والكهرباء بالنسبة إليهم.

كانت فرصة ممتازة للتحدث أكثر فأكثر مع أشخاص والنظر في أعينهم مباشرة وأنت تخاطبهم. استشعار خلجاتهم وملاحظة ردود أفعالهم. هذه أشياء مستحيلة تماما وأنت تنتظر قراءة السطر الذي سيرسله مخاطبك من أمام شاشته بعد الجملة العتيدة : “مخاطبك يقوم بالكتابة…”.

كنت دوما أعتبر التواصل الإلكتروني ذا قصور فظيع لأنه لا يحمل انطباع المشاعر الذي يحمله الصوت والصورة. شيء لن تنجح ابتسامات العالم (smileys) في نقله حتى لو استعملت خمسة ابتسامات في الجملة.

هنالك شيء آخر يقرفني بالتواصل الإلكتروني، وهو أن مخاطبك يكون أكثر ثقة أو أكثر جرأة أو أكثر وقاحة من المواجهة المباشرة. نوع من القناع الإلكتروني الذي يغطي ردود أفعاله. لا اتحدث هنا عن أولائك الأبطال الذين تستطيع أن تكتشف بسهولة ان أوداجهم منتفخة والعروق قد احمرت في وجوههم بمجرد قراءة ما يكتبون. الحقيقة أنني لم أفهم قط كيف يمكن أن ينفجر الإنسان غاضبا في وجه أحدهم على النت حينما يملك الوقت الكافي للهدوء والرد بروية.

أريد رؤية العروق الحمراء مباشرة.. أريد سماع حنان الصوت أو خشونته.. أريد أن أرى ابتسامة الخجل على وجه من أغازله أو أمدحه.. أريد أن نتوقف عن التواصل بالحروف القاصرة، ونعود أكثر إلى صفوف الجماهير الشعبية.. جماهير العالم الواقعي.

كرسي المبرمجين، وجيب (الـ …..)

نحن المبرمجون لدينا مشكلة عويصة تتعلق بآلام الظهر المتكررة، خصوصا إن كانت الشركة التي نعمل بها قد قررت الاستثمار في مفهوم الاقتصاد. حين تكون الكراسي غير مريحة، وحينما تظطر للجلوس إلى الكمبيوتر أكثر من ثماني ساعات يوميا ستفهم عماذا أتحدث.

قرأت اليوم هذه التدوينة لمبرمج من أرض الحرم يتحدث عن هذا الكرسي:

chair

نظرة أخرى من أجل عيون الأحباب:

 41k5KD5wYZL._SS400_ من أراد أن يأخذ صورة تذكارية معه يمكنه دخول هذا الموقع، والبحث عن أقرب موزع، والذهاب إلى عين المكان، مع تفادي أن يلاحظ عناصر الأمن ما تفعله.

أجل يا سادة.. هذا ليس مجرد كرسي عادي تضعه أمام حاسوبك.. هذا الكرسي يكلف قرابة 900 دولار.

إنه الكرسي الخارق الذي يقدم لك مساجا فوريا حينما تجلس عليه. يغطيك بغطاء دافئ حينما يغدر بك النوم فوقه.. ولربما فرك قدميك المتعبتين بالماء والملح لو بقي هناك وقت. لابد أنه يوفر خصائص كهذه وأكثر كي يستحق ثمنه.

الطرائف لن تنتهي من هذا العالم.

عصبية

anger

لقد أصبحت عصبيا مؤخرا.. لست أدري ما الخطب! لكنني أصبحت كزيت المقلاة أنفجر دون سبب. هذا يذكرني بفترة الصبى حيث كنت بطل العالم في العصبية.

كنت قد نجحت في أن أشفى من هذا المرض بعد مجهودات عويصة، من ضمن مجموعة من التغييرات التي عملت عليها في فترة من الفترات.. تغييرات كداء السماجة مثلا. أجل! أعترف أنني كنت سمجا وضعيف الدعابة، لكن هذا سر حربي يجب أن تحتفظوا به لأنفسكم. (ما رأيكم بهذه الجملة السمجة؟ هاهاهاهاهاهاهاه!! هذا مثال;) ).

حاليا أعود تدريجيا لهذه العادة القبيحة، العصبية لا السماجة. صحيح أنني حاليا أتحكم بوعي أكبر في تصرفاتي، وردود أفعالي، لكنني أجد الأدرينالين يسبح في عروقي مجرى الدم، وأكبت دواخلي حسب الاستطاعة.

المشكلة العويصة هي أن بعض الأشخاص لا يتركونك في حالك تنعم بالصفاء النفسي. هنالك من يشتم حالة السكينة بداخلك، ويصر كإبليس على تدميرها.

السؤال الآن يتعلق بكيفية تحاشي التأثر بشخصيات كهذه، وتفادي العودة إلى العهد المجيد الذي كنا نكسر فيه الأشياء، ونصرخ ممزقين أحبالنا الصوتية؟

مؤخرا قرأت فقرة مثيرة لستيفن كوفي:

منذ عدة سنوات وبينما كنت أتجول بين أرفف الكتب في مكتبة الجامعة ، وجدت…كتابًا عندما فتحته وجدت بداخله واحدة من أهم وأقوى الأفكار التي قابلتها في حياتي كان فحوي هذه الفكرة هو: هناك مساحة بين المثير والاستجابة ، داخل هذه المساحة توجد قوتنا على اختيار الاستجابة المناسبة ، ومن هذه الاستجابة توجد فرصتنا على النمو والحرية، إن القوة أو القدرة التي تنبت داخلنا في تلك المساحة هي ملكات خاصة بالضمير والإدراك للذات والخيال المبدع والإرادة المستقلة ، وكل ذلك بمثابة ميلاد للحرية الذاتية المطلقة وهي القدرة على الاختيار والاستجابة والتغيير ، وكل هذه الملكات تشكل البوصلة الداخلية التي تمنحنا القدرة على توجيه حياتنا تجاه الشمال الحقيقي"

لقد ذكرتني هذه الفقرة بالمبدأ الذي عملت عليه سابقا دون وعي:  أخذ الوقت الكافي للتفكير قبل الرد على الاسفزاز.

المسألة تبدو صعبة في البداية، لكنني مع الوعي الذاتي والممارسة تمكنت بالفعل من التحسن في الأمر، وما تراجعي إلا لتراجع وعيي الذاتي بهذه النقطة.

في الأفلام الأمريكية تعرفنا على ما يسمى بجلسات السيطرة على الغضب، حيث يطلبون منك أن تعد من واحد إلى عشرة حينما تنتابك موجة غضب، أو أن تتنفس بعمق عشر مرات، وحلول مشابهة.. أظن أن هذا كله مجرد هراء تقريبا، لأنه بانعدام الوعي الذاتي بضرورة التفكير قبل إطلاق ردة الفعل سيجعلك تجد قبضتك في وجه أحدهم وأنت لم تتجاوز الرقم واحد في العد بعد.